15 يونيو، 2024

حروب الثأر وحروب العدّادات

22 أيار 2024

https://www.nidaalwatan.com/article/279589

في العالم المعاصر لم يعد مقنعاً من خطابات الحرب إلا اثنان، خطاب التحرر الوطني من الاستعمار وخطاب التحرر من الاستبداد. هما يعبّران عن مصالح الشعوب. كل الحروب الأخرى نزق قادة وأمراض أنظمة. تسأل البشرية اليوم عن مضمون الحرب الباردة وجدواها وعن استعراضات الأساطيل وتفكيك الدول وإعادة رسم الخرائط كما في البلقان (يوغسلافيا السابقة) وعن آخر الفورات القومية بين روسيا وأوكرانيا.

ونسأل في بلادنا عن أحدث النسخ من حروب اليوم، عن الفورة القومية العراقية ضد إيران أو الفارسية ضد العرب، وعن الرد عليها في حربي الخليج، وعن الحروب الدينية والأهلية، ونسأل: هل توجزها الحرب على فلسطين ومن أجل فلسطين؟

تقول ماري القصيفي إن حروب اليوم التي يشارك فيها العرب والفرس والأتراك هي «ثأر من التاريخ عبر استعادة الجغرافيا، وتصحيح الماضي بواسطة التحكّم بالمستقبل». حروب الشعب الفلسطيني وحدها تستحق معناها وجدواها، لأنها لا تسعى إلى استعادة الجغرافيا من التاريخ. أما الحروب من أجل فلسطين فهي حروب بلا معنى ولا جدوى غير الثأر من التاريخ.

ادّعى بعضهم أنهم قاتلوا من أجلها، فضحهم التاريخ حين أثبت أنهم، فيما كانوا يصوبون على القضية كانت عيونهم على السلطة، وأنّ جيوشهم لحراسة القصور لا لبناء جسور العودة، وأنّ مياه «إيران غيت» والمعركة الإعلامية في سفن الإغاثة التركية كذبت الغطاسين.

مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية أصدر مذكرتي اعتقال بحق بنجامين نتنياهو ويحي السنوار. حين قرر المدعي العام كان يسأل عن الجدوى. هذا أول موقف جريئ ضد صنّاع حروب الإبادة التي ارتكبتها الصهيونية منذ النكبة. ربما رأى أن حرب غزة، حتى لو كانت فلسطينياً من صنف التحرر الوطني، مسؤولة هي الأخرى عن الإبادة، على الأقل لأنها خاضتها من غير أن تضع دراسة جدوى.

قرار المدعي العام إدانة لصناع الحروب المجرمين منهم والأبطال. السنوار بطل يتقن فنون القتال لكنه رسب في امتحان الجدوى. حرب من غير جدوى هي حرب للحرب. حين سئل «حزب الله» عن الجدوى وأعياه الجواب قال السلاح لحماية السلاح. منذ تلك المعادلة لم يعد خطاب الثنائي الشيعي في لبنان مقنعاً إلا لجمهوره. بدأ يفقد رونق انتصاره لحظة انتقل من حرب التحرر الوطني المقنعة إلى حروب الثأر من التاريخ.

نتنياهو يبغي من حربه إعادة غزة إلى ما قبل التلمود وإعادة لبنان إلى العصر الحجري. حماس لا تريد غير العودة إلى ما قبل السابع من تشرين ولا تطمح إلى غير قبولها على طاولة المفاوضات. ذروة اللاجدوى. إزاء كل الدمار والخسائر البشرية والمادية في مجالات الزراعة والبيئة والأبنية لا يطلب الثنائي الشيعي في لبنان غير وقف الحرب على غزة. كان بإمكانه أن يتضامن مثلما تضامنت دول وشعوب وطلاب جامعات ويهود في نيويورك وأدباء في العالم وجنوب أفريقيا والمحكمة الدولية في لاهاي والمدعي العام، وأن يوفر على الجنوبيين ما تكبدوه وعلى اللبنانيين انقساماً وحرباً أهلية غير معلنة.

ذروة اللاجدوى في حرب غزة تحويلها إلى حرب عدادات لإحصاء القتلى والمفقودين والشهداء والمباني المدمرة والعمليات والمسيرات والصواريخ. وحين ستنتهي الحرب سنكتشف أن الأرقام ليست سوى عينات.

أما ذروة اللاجدوى في موقف الثنائي الشيعي ومن خلفه قوى الممانعة هو الحرب، المعركة، ضد رئاسة الجمهورية اللبنانية. إنها ليست ثأراً من التاريخ بل إصرار على إيقاف التاريخ في محطة الاستبداد القروسطي الديني والسياسي.

حقاً لم يعد خطاب الممانعة مقنعاً لا في الحرب ولا في السلم.