16 يونيو، 2024

فضيلة التطبيع

29 أيار 2024

https://www.nidaalwatan.com/article/281492

كتّابنا

محمد علي مقلد

فضيلة التطبيع

29 أيار 2024

02 : 00

في العاشر من حزيران عام 2000، وفي مخيم البرج الشمالي شرق مدينة صور، وبناء على دعوة تنظيم يساري فلسطيني، وباسم المجلس الثقافي للبنان الجنوبي وباسم أمينه العام العزيز حبيب صادق كنت ألقي خطاباً في احتفال شعبي بمناسبة تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي.

في البداية اعتزاز ببطولات الشعب اللبناني ومقاومته الباسلة التي ألحقت الهزيمة بجيش سبق له أن هزم كل الجيوش العربية؛ ثم اعتزاز بعلاقات التضامن مع الشعب الفلسطيني الذي أحرز هو الآخر انتصاراً عندما تمكن من تحقيق ما ناضلت منظمة التحرير في سبيله، أي بناء دولة «على أي شبر يحرر من أرض فلسطين».

كنت أعرف أنّ أيّ كلام عن هذا الانتصار لن يكون محل استحسان من الحاضرين، وخصوصاً من منظّمي الاحتفال الذين لم يستسيغوا اتفاق أوسلو. قبل أن أنهي كلمتي صعد أحدهم إلى المنصة واعتذر مني ومن جمهور الحاضرين عن عدم استكمال الحفل لورود خبر من دمشق عن وفاة الرئيس حافظ الأسد. لست أعلم حتى الآن ما إذا كان ذلك، في حينه، سبباً أو ذريعة لإيقاف المهرجان قبل نهايته.

مزاج التنظيمات الرافضة أو المعترضة أو المتحفّظة لم يكن مطابقاً لمزاج الشعب الفلسطيني الذي استقبل ياسر عرفات بما يشبه الأعراس في الضفة والقطاع. ظل السؤال عن هذه المفارقة يلاحقني ولا أجد له جواباً إلى أن استمعت منذ يومين إلى الباحث الفلسطيني الرصين هشام دبسي الذي أخبرنا أنّ مؤتمر منظمة فتح الذي انعقد في بيت لحم غداة قيام «دولة فلسطينية على أي شبر يحرر» تحفّظ هو الآخر على الاتفاق، ما يعني أنّ المفارقة قائمة بين مستويين من الوعي أو بين منهجين من التفكير أو بين نوعين من المعادلات أو بين نوعين من المعايير.

ذكرتني تلك المفارقة باستقالة عبد الناصر غداة هزيمة حزيران، يوم خرجت جماهير الأمة العربية إلى الشوارع تطالبه بالعودة عن قراره. التنحي محاسبة لكن الجماهير ضد المحاسبة. أوسلو ترجمة لميزان القوى والجماهير معيارها المشاعر والعواطف. حزب البعث وحده اغتبط مع أتباعه بتنحي عبد الناصر، لا لأنه مع مبدأ المحاسبة بل لأسباب هي الأخرى من أعراض التخلف عن موكب الديمقراطية.

اتفاق أوسلو، بمعايير المعترضين، هو ذروة التطبيع مع إسرائيل لأنّ الموقّع عليه ليس نظاماً عربياً بل هو منظمة التحرير بالذات. ظلت إدانة التطبيع مهيمنة على الخطاب العربي حتى مؤتمر المنامة الذي شرعن المطالبة بحل الدولتين، أي بالتطبيع العربي والإسلامي، وليس فقط الفلسطيني، مع الكيان الإسرائيلي. فهل يمكن اعتباره الأكثر واقعية بين مؤتمرات القمة؟

معارضو التطبيع يدينون التطبيع ويعدّونه خيانة ويرفضون كل الاتفاقات الجائرة والتسويات غير العادلة التي تفرضها موازين مختلة، لكنهم لا يعملون على تعديل تلك موازين.

مع أوسلو بات ياسر عرفات، في نظر خصومه من الأحزاب واليساريين والإسلاميين، رمز المطبّعين، مع أنه ما يزال، حتى بعد مماته، الرمز الأبرز للنضال الوطني الفلسطيني والمجسد الأبرز لأحلام شعبه بالعودة وببناء الدولة.

اعتراف الدول وتحرك طلاب الجامعات تضامناً مع القضية الفلسطينية ومع حل الدولتين ليس سوى إقرار بأن التطبيع هو السبيل الأفضل بحثاً عن تسوية، على أن يترك للتاريخ وللأجيال القادمة البحث عن حل نهائي.

يمكن القول إنّ حرب غزة هي حرب التطرّف ضد التطبيع. لكن التضامن العالمي الرسمي والشعبي مع الشعب الفلسطيني ومع قضيته هو إدانة لـ»غزوة» السابع من تشرين ولجرائم الإبادة، وهو بمثابة إعادة اعتبار للبرنامج الذي سارت على هديه منظمة التحرير الفلسطينية وأقرته القمة العربية والذي أضاء شارة المرور الخضراء أمام التطبيع.