15 يونيو، 2024

5 حزيران 2024

https://www.nidaalwatan.com/article/283381

كتّابنا

محمد علي مقلد

قمة التطبيع

5 حزيران 2024

02 : 00

أثارت مقالتي عن فضيلة التطبيع اعتراض بعض الأصدقاء على أمرين فيها، الأول قولي إنّ حلّ الدولتين هو قمة التطبيع، والثاني تحميلي الطرفين العربي والإسرائيلي المسؤولية عن إجهاض اتفاق أوسلو. الاختلاف في الأمر الأول هو على تفسير المصطلح وفي الثاني على التحليل السياسي.

وضع مصطلح التطبيع قيد التداول لأول مرة بعد زيارة أنور السادات إلى إسرائيل. الزيارة انتهاك لقرار قمة اللاءات الثلاث في السودان غداة هزيمة حزيران، «لا تفاوض، لا اعتراف، لا صلح» مع إسرائيل. وهي أيضاً انتهاك لموقف عربي عمره من عمر النكبة، أي منذ رفضت دول الطوق مشروع التقسيم خشية أن تتوسع حدود الدولة الفلسطينية على حساب أراضيها. هذا ما ذكره شارل رزق في كتابه، «اللحظة القومية العربية».

قرارات قمة الخرطوم هي إذاً تكرار لقرار رفض التقسيم. لكن انتهاكها لم يحصل فحسب مع زيارة السادات، بل في البرنامج الموحد لمنظمة التحرير الفلسطينية القاضي «ببناء دولة فلسطينية على أي شبر يحرر»، الذي يعني اعترافاً صريحاً بوجود إسرائيل وإقراراً بحلّ التقسيم أي بحلّ الدولتين الذي استعادته قمة بيروت باقتراح من المملكة العربية السعودية، ثم اعتمدته قمة المنامة بالإجماع بعد صمت يشبه صمت القبور من جانب قوى لم تعد تقوى على المعارضة بل لم تعد موجودة على خارطة الصراع العربي- الإسرائيلي، ونعني بها دول جبهة الصمود والتصدي وعلى رأسها النظام السوري.

مصطلح التطبيع لا يعني فحسب اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة والعلاقات الطبيعية بين إسرائيل والإمارات والبحرين أو العلاقات غير العدائية بين تل أبيب والرباط، بل هو يعني أيضاً اتفاق أوسلو الذي وقعته منظمة التحرير، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، كما يعني قرارات المنامة التي صدرت بإجماع عربي نادر الحصول منذ إنشاء جامعة الدول العربية.

في هذا السياق التاريخي لم يعد التطبيع جريمة ترتكب بحق القضية الفلسطينية. الجريمة هي في مواجهة خيارات الشعب الفلسطيني والحلول محله ومصادرة قراراته. قد تتهم بالتطبيع أنظمة، لكن أول جهة قررت تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وقبل أي دولة عربية، هي منظمة التحرير التي أقامت دولة في رام الله وغزة. قمة المنامة ليست سوى مباركة لخط منظمة التحرير ولمبادرات عربية أخرى، بغياب المعترضين الذين باتوا لا يملكون من عدة ومن رباط الخيل غير الطوفان.

الاختلاف السياسي أشد إيلاماً إذا ظهر بين من تقاسموا حلو النضال ومرّه في سبيل القضايا الأممية والقومية والوطنية ومنها قضية فلسطين، ثم باعد الطوفان بين آرائهم. لم ينزعج المتطرفون الصهاينة وحدهم من الدولة «المسخ» التي أقامها ياسر عرفات، بل فاقهم انزعاجاً منه ومنها متطرفون في جبهة المعترضين على التطبيع، «البعث» وجبهة الصمود والتصدي ويساريون تائهون في فيافي الفكر الثوري وقوى من الإسلام السياسي من بينهم «حماس» التي رمت مئات الفتحاويين من الطوابق العليا في غزة. هل تذكرون من نعت دولة عرفات بالمسخ؟ الصهاينة لم يتعبوا أنفسهم في التراشق اللغوي. استقربوا وقتلوا إسحق رابين، وتركوا لنا الغوص في لجة الهجاء.

إذا كان الهدف من الحرب توفير الأدلة على إجرام مجرم أو على عدالة قضية فهو مكلف والحروب ليست للتسلية. كما أنّ المتنورين لا يحتاجون إلى الطوفان ليتأكدوا من وجود تجار قضايا وتجار أديان. ولا الطوفان طاف لكي يحدث تغييراً في مزاج الرأي العام العالمي، فالرأي العام، عالمياً كان أم عربياً، حتى ولا فلسطينياً، لا يهم المهللين لأنهم يقرأون الرأي الصواب في لوح السماء أو على صخرة مسجد الصخرة.

قمة التطبيع هي في حل الدولتين سواء صدر عن مؤتمر المنامة أو عن منظمة التحرير.