1 يوليو، 2022

خطأ شائع (12)”الدولة” كائن لغوي غريب

https://www.nidaalwatan.com/article/67923

الوطن والدولة مصطلحان جديدان على اللغة العربية وعلى القاموس السياسي. مع انهيار السلطنة العثمانية قفز العقل السياسي العربي فوق الأسئلة الحقيقية، بل قمعها حين عاقب علي عبد الرازق ومنع كتابه الإسلام وأصول الحكم وكتاب طه حسين عن الشعر الجاهلي، ووجّه اهتمامه بالبحث عن خليفة وعن مقرّ للخلافة، الشريف حسين وأولاده من جهة والخديوي من جهة أخرى.

الالتباسات في التعامل مع مصطلحي الوطن والدولة تضاعفت حين راحت الحركة القومية تهجس بالسلطة بدل أن تسعى إلى بناء دولة، فصار الوطن والدولة يبدوان وكأنّهما عُدوان على الأمة، لأن الفكر القومي يرى الأوطان، بصيغة الجمع، رمزاً للتجزئة، والدولة الحديثة، في نظره، ليست سوى تقليد للغرب على حساب التقاليد السياسية السلطانية.

هذا الانزياح عن سكة التفسير الصحيح أخفى المضمون الحقيقي لمشروع الحضارة الرأسمالية، وأبرز الوجه البشع منها وهو وجه السيطرة والعنف واستغلال الإنسان للإنسان إلى حد استعباده. هذا كله صحيح مع أن كل حضارات التاريخ تحمل في أحد وجوهها وحشية وبشاعة تضاهي ما في الرأسمالية التي ورثت ذلك من سابقاتها وألبسته حلة مختلفة من حيث المظهر فحسب.

أحد وجوه الرأسمالية هو الاستعمار. هذا صحيح، غير أن لكل حضارة حلوها ومرها. الحضارات السابقة لجأت إلى الغزو وشنّت الحروب من أجل الغنائم، وفرض الحكام الأتاوات ليشيدوا قصوراً ضخمة تتّسع لجواريهم وللخدم ومعابد تليق بالمؤمنين والأتباع. قصر الحمراء في الأندلس وكنيسة – مسجد أياصوفيا في اسطنبول- القسطنطينية وهولاكو وإحراق مكتبات بغداد والآثار الرومانية الضخمة في لبنان والأردن والأهرامات وقناة السويس التي كلفت مصر عشرات آلاف الضحايا، وسواها من الآثار، من أجلها بذل البشر العرق والدم وقدموا القرابين على مذابح الحكام ونزواتهم لتدخل أسماؤهم في سجلات الخلود.

الذين قرروا، في المشرق العربي، المواجهة مع الاستعمار، حاربوا، في العلن، الوجه السياسي للرأسمالية فيما راحوا يغازلون وجهها الاقتصادي سرّاً، ليستفيدوا من إنجازات أخفوها عن أعين جمهورهم بغشاوة من الكره والحقد ضد الغرب والرأسمالية وضد إنجازاتها السياسية متمثلة بالوطن والدولة وسيادة القانون، وخصوصاً ضد الصيغة التي اقترحتها لحل مشكلة التنوع والتعدد في المجتع، أي الديمقراطية.

القوى السياسية المحلية واجهت المثالب وشوهت الإنجازات، ولا سيما ما يتعلق بالديمقراطية وإدارة التنوع. الحضارة الرأسمالية اقترحت حلاً يقضي بتنظيم التنوع واحتوائه من جانب الدولة تحت سقف الدستور الذي ينص على أن المواطنين متساوون أمام القانون على اختلاف انتماءاتهم الدينية والفكرية والعرقية وغيرها.

غير أن القوى السياسية المحلية آثرت العمل بمنطق المصالح الشخصية لا بمنطق الدولة والدستور والقانون، فاستعارت من تجربة نظام الملل إحدى مفردات نظام المحاصصة الاقتصادي (مزارعة ومقاسمة ومساقاة ومرابعة ومخامسة) وحقنتها بدلالة سياسية، فجعلت للطوائف في الجمهورية اللبنانية حصصاً تشبه تلك التي كانت للملل أيام السلطنة، وما لبث ممثلو الطوائف في السلطة السياسية أن صادروها وجعلوها بمثابة حق شخصي لكل ممثل باسم طائفته، فشاع في اللغة السياسية مصطلح دخيل وغريب على لغة الدستور، اختبأ خلفه المحاصصون ليعملوا على تفجير التنوع بدل أن يعملوا على تنظيمه تحت سقف الدستور.

في الخلاصة، هل نحل المشكلة النظرية إن اعتمدنا الشق الثاني من فرضيتنا، أي معيار الدولة؟ نزعم أن من شأن ذلك أن يشكل ضمانة لوضع التحليل على سكته الصحيحة. أما ضمانة التطبيق فأمر مرهون بعوامل أخرى.

معيار الدولة يحل مشكلة التاريخ الموحد. تاريخ لبنان يبدأ إذن مع إعلان الدستور عام 1926 ويقاس سلوك القوى السياسية بمقدار مساهمتها في تطبيق الدستور واحترام القوانين. ما قبل الدستور ليس تاريخ الجمهورية بل تاريخ الولايات والدولة السلطانية.

الدولة العصرية هي دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص، دولة الفصل بين السلطات والديمقراطية وتداول السلطة، الدولة التي تمارس سيادة القانون على حدودها وداخل حدودها من غير أن ينازعها أحد.

عن هذه الدولة لا عن سواها يقول عبد الإله بلقزيز: «قد لا يعرف قيمة الدولة إلا من عاش تجربة غيابها في المجتمعات المنغمسة في حروب أهلية. على الدولة أن تحتكر العنف وألا يشاركها في ممارسته أحد، وإلا انتقل العنف من حيز الدولة إلى حيز المجتمع واتخذ شكل عنف أهلي أو حرب أهلية».

نوعان من الكتابات يسيئان إلى تاريخ الوطن، الأول أسير المفاهيم عن دولة الاستبداد السلطانية والثاني أسير المفاهيم الميليشيوية والعدوان على سيادة الدولة. صانعو الحروب الأهلية والمشاركون فيها لا يكتبون سوى عدوانهم على الدولة، والمتحدرون من عقل الولاية لا يكتبون سوى قصورهم عن فهم معنى الدولة.

تاريخ المئوية هو تاريخ الدولة والجمهورية اللبنانية. كل ما عداه إما سابق على الجمهورية أو عدوان عليها. هو أخطر من أن يكون خطأ شائعاً.