1 ديسمبر، 2022

سخّروه ومسخروه

30 نوار 2020

المفتي الجعفري في وضع لا يحسد عليه. هو كان يعرف أنه بعد تنفيذه أمراً بتلاوة التصريح سيتبرأ صاحب الأمر منه. إن كان يرضى أن يسخّروه فكيف يرضى أن يجعلوه مادة للسخرية؟! هل يدرك سماحته أن موقف الشيعية السياسية يصدر من مقر آخر غير دار الإفتاء؟ ألم يستمع إلى ما أدلى به السيد رئيس المجلس النيابي وإلى خطب السيد الأمين العام لـ”حزب الله”؟

الشيعية السياسية تستخدمك يا صاحب السماحة لتناور بك. هي ليس في نيتها تغيير النظام، بل هي الأكثر حرصاً على الصيغة المطبقة منه، لأنها الأكثر استفادة من تطبيقه بهذه الصيغة بالذات، التي بموجبها ورثت من نظام الوصاية مبدأ التوريث، لا في المؤسسات السياسية وحدها بل حتى في المؤسسة الدينية أيضاً، التي آلت ولايتها إليك كما آلت الولاية السياسية إلى سواك على طريقة “الأسد إلى الأبد”؟

لسنا ندري أين أنهى المفتي دراسته الجامعية، لكن من المؤكد أن برامج التخصص المشيخي خلو من العلوم الوضعية ولا سيما من علوم التاريخ والسياسة والاجتماع، بل هي خلو من أي منهج علمي، لذلك يفضل المفتي أن يرى هلال العيد بعين التمايز عن أهل السنة وعن المملكة لا بعين المراصد وعلوم الفلك. ولذلك أيضاً، وهذا هو الأدهى، لم يرد على مسامعنا رأي له أو اجتهاد في الفقه وفي علوم الدين، وها هو لا يتورع عن إصدار حكم مبرم يدين فيه التاريخ والوطن والشعب والنظام ويبرئ الجاني. المتهم يا صاحب السماحة ليس النظام بل أهل النظام، أي السلطان ومعه “كاتب السلطان” أيضاً. إدانة تاريخ لبنان مناورة غبية من جانب الشيعية السياسية والأغبى منها من استدرجوها مطالبين بالفدرالية والكونفدرالية واللامركزية المالية والإدارية. ربما لأنهم يتجاهلون أسباب الأزمة اللبنانية المستدامة. إنها ناجمة بالضبط من فدرلته عملياً ومن غير إعلان، أي من تقاسمه وتوزيعه حصصاً على أصحاب النفوذ، أو لا يعرفون، لسطوة جهلهم السياسي، أن الفدرالية لا تقوم من دون الديموقراطية، وبسبب ضعف مخيلتهم، أن الاستبداد المقنّع في النظام اللبناني سيؤول إلى استبداد مضاعف في أجزائه المفدرلة. المناورة فن ولا تكون ناجحة إلا ببلاغة التورية. أما مبادرة الشيعية السياسية فهي غبية لأنها مكشوفة ومفضوحة، وهي كذلك لأنها مكررة مرات ومرات، أكثرها شهرة تلك التي صدرت في القمة الروحية. وهي دائماً من فصلين، الأول منها يتولاه كاتب السلطان، ومهمته الإثارة والترهيب والتمهيد لفصل ثان يظهر فيه السلطان نفسه بكامل حرصه على الوطن، ليقدم برنامجاً للإصلاح بمظهر سوريالي يمضي فيه بعيداً في الثورية والتقدمية والالتزام بالدستور والقوانين. إنه الأكثر خطورة، لأنه يطرح على خصومه ما هو فوق طاقتهم ليرفضوه. العلمنة والدولة المدنية وخصوصاً قانون انتخاب خارج القيد الطائفي.

خطورة المناورة تكمن في أنها، على غبائها، تثمر تسوية جديدة عنوانها بقاء القديم على قدمه، ولكل حصته في النظام، بما في ذلك قانون العفو العام. وتمضي أزمة الوطن النقدية والمالية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلى مستقرها. لكن الثورة بانتظارهم، مع برنامجها الواضح، حيث لا تنفع مناوراتهم الذكية أو الغبية، وحيث لا مفر أمامهم من حل قوامه تطبيق القانون واحترام الدستور.