18 أبريل، 2024

في نقد 13 نيسان (5)”حزب الله”

https://www.nidaalwatan.com/article/167281

عندما انفجرت الحرب لم يكن «حزب الله» قد ولد بعد، لكنه شارك قبل اتفاق الطائف في أكثر المعارك عنفاً ودموية في الجنوب وضاحية بيروت في مواجهة حركة أمل، بالتزامن مع معارك مماثلة بين قائد الجيش ميشال عون و»القوات اللبنانية» شرق العاصمة. تلك المعارك أنهكت أصحابها وأنضجت الظروف لوقف الحرب وتوقيع اتفاق الطائف وتكليف نظام الوصاية بالإشراف على عملية الانتقال إلى مرحلة السلم الأهلي.

بين قوى الحرب الأهلية، «حزب الله» هو الأكثر قوة، لكنه الأضعف حجة. حتى فكرة المقاومة ظلت صادقة صدقاً تاماً حتى التحرير، ثم أخذت تفقد وهجها بعد أن فقدت تماسكها المنطقي. كانت المقاومة وسلاحها لتحرير البلاد من الاحتلال، وصارت لاستعادة مزارع شبعا ثم لحماية المياه الجوفية، ثم لحماية المقدسات والقرى الشيعية في سوريا، ثم السلاح لحماية السلاح ثم لحماية الغاز اللبناني في البحر، ولولا المبالغة لقيل السمك. وانتهت لحماية الفساد الكبتاغوني والسياسي والمالي، مع تأجيل فضح الملفات شبيه بوعيد سوري دائم بالرد على الاعتداءات الإسرائيلية اليومية.

لم يبق من الفكرة سوى النبرة العالية. بعد خروج الجيش السوري ساد القول إما رئيس مطيع يستند إلى هذا التفكك المنطقي فيمهد لتفكيك أواصر الدولة أو لا رئاسة ولا انتخابات رئاسية أو نيابية أو حتى بلدية ولا من ينتخبون. صار البرلمان ألعوبة والحكومة مطية والإدارة من عدة الفساد والإفساد. وصارت الفكرة فزاعة استخدمت في أكثر من تعطيل رئاسي وحكومي وبرلماني، إلى أن بلغ التردي ذروته مع العهد العوني الباسيلي الذي أوصل البلاد إلى أبعد مما كان يريده «حزب الله».

الأكثر دلالة على تهافت خطابه السياسي تضمينه الدعوة حديثاً إلى استقلال القرار اللبناني وعدم انتظار التعليمة من الخارج، أي إلى احترام السيادة الوطنية. بالتلازم مع هذه الدعوة أو بموازاتها، إصرار على تبعية للنظام الإيراني ومشاريعه التوسعية تشبه تبعية الأحزاب الشيوعية لموسكو أو البعثية لدمشق وبغداد. ذلك أن الخطاب يستند إلى مفهوم مشوه للسيادة فصلناه تفصيلاً في كتابنا «أحزاب الله» حيث عرضنا كيف تدين الأحزاب نفسها من خلال النصوص الموثقة.

لكل حزب مشروعه للدولة. اشتراكية أممية للشيوعيين، وحدوية للقوميين، إسلامية للإسلاميين، ولاية الفقيه لـ»حزب الله»، مثلما هي وطن قومي للمسيحيين في لغة المارونية السياسية. الوطن في لغة الإسلاميين ومنهم «حزب الله» هو دار الإقامة. لهذا لا يحتاج الوطن، بمعناه هذا، لرئيس جمهورية، ربما يكفيه مختار يصدر إفادات سكن. هذا ما دفع المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز إلى القول «كيف يمكن أن نتحدث عن الدولة والحرية والمواطنية إذا كنا نجهل فلسفة الأنوار وجون ستيوارت ميل وماكس فيبر». ومن هذا التشوش حول مصطلح الوطن نشأ التشوش حول مفهوم الدولة.

دار الإقامة أو مربط العنزة هو ما قبل نشوء الوطن الحديث الذي يقوم على أركان ثلاثة، «شعب وأرض وسيادة». والسيادة هي سيادة الدولة على حدودها وداخل حدودها، وسيادة الدولة ليست إلا سيادة القانون. التعريف الأكاديمي للوطن والتعريف الإيديولوجي خطان متوازيان لا يلتقيان.

انطلاق «حزب الله» من المعاني المغلوطة لهذه المفاهيم، سوغ له التلاعب بالأقانيم الثلاثة لبناء الأوطان وتحويرها إلى «شعب وجيش ومقاومة»، فلم يكن إلغاء ركن الجغرافيا (الأرض) زلة قلم، بل هو من صميم إقامة دولة حدودها طموحات الملالي وانتظار المهدي. أما سيادة القانون فصارت في خطاب «حزب الله» مذمة لأصحابها، إذ لا سيادة، في نظره، إلا لله من خلال ممثليه حاملي مفاتيح الجنة.