16 يونيو، 2024

في نقد 13 نيسان(10)تنظيمات الإسلام السياسي

27 أيار 2023

https://www.nidaalwatan.com/article/175895

هي متعددة مع أنها تغرف من منهل واحد. ولدت في زمن النهضة واعتراضاً عليها. تأسست الفكرة مع الوهابية والسنوسية والمهدية والكاشانية. لائحة طويلة لا نهاية لها. تكاثرها مرتبط بإعلان يصدر عن أمير أو مرشد أو داعية، ومشروعها السياسي والاقتصادي والمالي والنقدي، الإسلام هو الحل. لكن أي إسلام؟ إسلام العقل أم إسلام النقل، أم إسلام المذاهب الأربعة أو الخمسة؟ واللائحة تطول.

في لبنان، كانت قبل الحرب الأهلية شيئاً وصارت بعدها شيئاً آخر. بعضها يتوسل العنف والإرهاب وبعضها مسالم همه التبشير. لكن الفريقين يستندان إلى ثنائية الحرام والحلال وإلى تقديس النصوص والطقوس. وهي كلها أقرب إلى فرقة الصفاتية التي يعنيها من الآيات ظاهر معناها. جسّدت تفسيرها المغلوط للنص الديني وللحضارة الحديثة في محورة نشاطها حول أمرين، المرأة والخمرة، وفي كليهما وضعت حدوداً لحرية الإنسان الفرد وحاولت فرض نمط واحد من العيش ونمط واحد من التفكير على مجتمع متعدد.

بصرف النظر عن صحة أو خطأ التفسير والتأويل للنصوص الدينية، فإنّ تنظيمات الإسلام السياسي تستل من حضارات الماضي ما يتعارض مع مضمون الحرية في الدولة الحديثة التي تحكمها الدساتير والقوانين.

في الحضارات القديمة، إن لم يلتزم الفرد بتقاليد الجماعة، «يُفرد إفرادَ البعيرِ المعبّد» على ما قال الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد. النهضة الحديثة أرست مفاهيم جديدة فمنحت الفرد حقه في الحرية من ضمن قائمة طويلة من حقوق الإنسان، ومنها حقه في تعميم معتقداته وإقناع الآخرين بها، لكنها منعته من فرض آرائه على الآخرين بالقوة والعنف. العقول المتمسكة بتقاليد الماضي لم تستسغ هذا التحول الجذري في علاقة الفرد بالجماعة.

سنحت 13 نيسان الفرصة أمام الانتقال من التبشير إلى فرض الرأي وتعميمه بالقوة. بعض التنظيمات حملت السلاح بذريعة تحرير فلسطين واستخدمته ضد حرية الإنسان الفرد. السلاح هو الذي أعطى شرعية استخدام العنف لفرض الرأي لا على شاطئ صيدا فحسب ضد النساء، بل كذلك في مطاعمها ومقاهيها ومحلاتها التجارية ضد الخمرة.

البديل عن السلاح هو القانون. القضاء اللبناني كان له الكلمة الفصل في الدعوى ضد صادق جلال العظم والكلمة الفصل في رد الدعوى ضد أغنية مارسيل خليفة وقصيدة محمود درويش. حتى الحكم بتطليق نصر حامد أبو زيد من زوجته ليس كاغتيال فرج فوده. إلغاء الزواج أقل قهراً من إلغاء الحياة.

ذات نهار جمعة خطب الشيخ في المصلين وأشعل في نفوسهم نار الكراهية ضد أميركا. خرج أحدهم إلى سلاحه وقصد المدرسة الإنجيلية في صيدا، يسمونها «مدرسة الأميركان»، وقتل ممرضاً في مستوصف المدرسة. أسهل السبل لتصنع إرهابياً، احقن جاهلاً بالحقد واعطه سلاحاً.

التربية على عدم احترام القانون هي الرحم الذي تولد منه الأخطاء بحق الوطن والدولة، إذ إن النموذج الأمثل للدولة الإسلامية أو دولة الخلافة هو نظام طالبان الذي ألغى تعليم النساء وكسر شاشات التلفزة وحطم تماثيل بوذا تعبيراً عن الذهاب حتى النهاية في سياسة إلغاء الآخر. فدولة التنظيمات الإسلامية أياً يكن نموذجها، أفغانياً أو إيرانياً أو صومالياً أو من جماعة بوكو حرام في نيجيريا، ليست سوى إعلان حرب على نموذج الدولة الحديثة، دولة القانون والمؤسسات.

ليس لها مرجعية قيادية واحدة وهي تتكاثر بالتفريع حسب الحاجة، ويصبح الأكثر جهلاً فيها هو الأكثر سطوة ونفوذاً وتتراجع أو تتخفى الأصوات القليلة الداعية إلى الحوار. الحل ليس بالدولة الإسلامية ولا بدولة ولاية الفقيه ولا بأية دولة طائفية أخرى، بل بالدولة الديمقراطية.