1 مارس، 2024

من الخاسر ومن الرابح؟

17 حزيران 2023

https://www.nidaalwatan.com/article/181931

خرج النائب علي حسن خليل من جلسة الانتخابات الرئاسية وصرح بأنّ النتائج أسفرت عن نصر واضح للفريق المؤيد لسليمان فرنجية. هي مدرسة الممانعة. النظام السوري يحتفل في كل عام بالانتصار في حرب تشرين، مع أنّ إسرائيل احتلت في تلك الحرب مساحات جديدة من الأراضي، وتسببت بنزوح أعداد من المواطنين السوريين.

سأل موظف سوري في دائرة النزوح زميله، تحت أي عنوان سنرتب إضبارات النازحين الجدد، إذ لا يصح أن ندرجهم لا في خانة نازحي الـ48 ولا في خانة نازحي 67؟ فأجابه بدعابة مضحكة مبكية، ضعهم في خانة «المتضررون من النصر».

الكل خرج منتصراً من قاعة المجلس النيابي مع أن كرسي الرئاسة ظل شاغراً. علق أحدهم على النتائج بقوله، انتصر المرشحان وربحت الممانعة وفاز السياديون، هذا نال مكسباً وذاك سحق خصومه ونجح الثالث والكتلة السنية أثبتت أنها الرقم الصعب، الوطن وحده تضرر من النصر.

هذه معادلة المحبطين والخائبين. تعالوا نجرب معادلة أخرى: انهزم الجميع في هذه الجلسة وانتصر اثنان، الوطن ومشروع التغيير.

خرج الجميع مقتنعين بأنّ الحلول التي نشدوها باءت بالفشل، وأجمعوا في تصريحاتهم، ولو لفظياً، على أنّ الحل بالدولة والتمسك باتفاق الطائف والعمل تحت سقف الدستور والقانون، وأنّ صناديق الاقتراع لا تُدار بمنطق الذاهب إلى الحرب إما قاتلاً أو مقتولاً.

أثبتت الجلسة للسياديين كما للممانعة أنّ سياسة التعطيل والتعطيل المضاد هي كالحرب الأهلية لا ينتصر فيها أحد، وأنّ فوز أحد المتنافسين مستحيل، حتى لو نال ثمانين صوتاً، لأنّ خصومه يرفعون في وجهه سيف التعطيل بالثلث أو بتعليق الدورة الانتخابية.

وأثبتت للممتنعين عن الاصطفاف على ضفتي المواجهة الانتخابية أنّ أعدادهم لا تؤهلهم لتولي إدارة المعركة الانتخابية وتوجيهها وتحديد مواقيتها ومضامينها، وأنّ صندوقة الاقتراع ليست المحل المناسب لمحاربة الطائفية والطائفيين، وأنّ الحرص على الدولة ومؤسساتها وسيادتها كان يقتضي، بدل العزوف عن الاصطفاف والاكتفاء بشهر المبادئ العامة والقيم العلمانية السامية في وجه المنظومة، المشاركة في جعل هزيمة الفريق المسؤول عن الانهيار ساحقة معنوياً.

وأثبتت للشعب اللبناني أنّ بعض نواب الأمة ليس فقط لا يمثلون من انتخبهم، بل لا يمثلون حتى أنفسهم، فهم ليسوا سادة قرارهم فلا يمكنهم إذن أن يؤتمنوا على سيادة الوطن.

وأثبتت أنّ مغالاة بعضهم في الحماسة لمواقفه وآرائه أفقدتهم الحس الديمقراطي باحترام الرأي الآخر فاستسهلوا رشقه بالتخوين وبسليط الكلام، وجعلتهم ينزلقون إلى توجيه سهامهم ضد أصدقائهم والأقربين.

بين أن تكون الرئاسة صناعة لبنانية أو بقرار خارجي، انتهى السباق بالتعادل. أجمع الفرقاء على أنّ الحل بالحوار، نظنه، وبعض الظن إثم وسوء الظن من حسن الفطن، سيكون حوار طرشان لتقطيع الوقت بانتظار اتفاق خارجي على اسم الرئيس. هذه خلاصة قاسية ومذلة بحق برلمان يزعم أنّه سيد نفسه.

لن يكون الحوار مجدياً إلا بعد استبدال نقد الآخر بنقد الذات. نقد الآخر جزء من آلة الحرب، النقد الذاتي هو تنقية النفس من الإثم. ما من أحد بريء. من نصب نفسه على الناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه. ينسب هذا القول للإمام علي. محبوه وأتباعه من ثنائي الممانعة هم الأولى بأن يكونوا المبادرين بالنقد الذاتي، فالوطن أهم من الطائفة. أخطاء السياديين بحق السيادة لا تقل خطورة عن أخطاء القائلين بالفدرلة والتقسيم والمثالثة والمداورة والمحاصصة وتعديل الصيغة. أما التغييريون فقد ضيعوا بوصلة القضية حين شرّعوا وحدتهم لرياح التفرقة.

بالنقد الذاتي يتيقن «المنتصرون» بأن لا نصر لأحد إذا انهزم الوطن، وأن لا سبيل إلى خلاص الوطن إلا بالتغيير.