1 يوليو، 2022

استقلال و بدّدناه

محمد علي مقلد                                                           18-11-2013

“إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائن”

لست أذكر صاحب هذه الجملة الشعرية ( ربما هو محمد الفيتوري) ، لكن السؤال الذي فيها لم يطوه النسيان . أذكر أنني قرأته حين رحنا ندخل طوع اختيارنا في نفق حربنا الأهلية. لكن جوابه لم يأتني إلا في نهاية النفق، بعد أن كنا قد تورطنا في خطيئتنا نحو عقدين من الزمن، لحسنا فيهما المبرد واستدرجنا خصومنا وأصدقاءنا وأقرباءنا وجيراننا، وأهدرنا سيادتنا الوطنية وأهديناهم استقلالنا.

أشهد أننا ولدنا مع الاستقلال ونشأنا تحت جناحه . معه انتقلنا من ريف الجهل والقلة ومحاصصات الفلاحين والاقطاعيين إلى المدرسة والجامعة والوظيفة العامة والعمل المأجور ، ومعه انتقلت قرانا من المطي والفلاحين وبيوت الطين إلى المدن بالبوسطات، حاملة إليها الهمم والسواعد والفقر، وبنت في ضواحيها مدن الأكواخ وبيوت التنك .

 في مدارس الاستقلال وجامعته تنشقنا عطر الحرية لكننا كنا أنانيين . لم نفهم من معانيها إلا حرياتنا نحن ، حرياتنا الشخصية ولم نترك محلا لحريات الآخرين. تحررنا وأفرطنا في تحررنا، ورحنا نكبل الوطن بكل أنواع القيود والأغلال . لم نفهم أن الفرد لا يمكن أن يكون حرا إذا لم يكن الوطن حراً . راح كل منا يبحث عن مربط خيل له في مكان ما من العالم ، في الأممية الاشتراكية أو في الأمة العربية أو في الأمة الاسلامية أو في الأمة السورية . في الوحدة العربية أو في العلمانية أو الطائفية أو المذهبية أو في كل الايديولوجيات . راح كل منا يبحث عن أمه الحنون ، ولم نفهم أن أمنا الحنون الوحيدة هي الوطن . فضلنا على الوطن والمواطنية كل شي ، كل شيء ، وبددنا استقلالنا مثلما تبدد الأموال على طاولة المقامرة .

اشتد عود القرى و اشتد عود الجيل الأول فلا هو حفظ الود ولا صان الوفاء . تبعثر الوطن ذات اليمين وذات اليسار واختلط الحابل بالنابل ، كل يدعي حباً بليلى ، لكن من الحب ما قتل . نعم ، ليس بيننا بريء من دم الوطن ،  بعضنا بالنار وبعضنا بالرصاص ، بعضنا بالصمت وبعضنا بالهجر… كلنا أمعنا في قتله لكثرة ما أحببناه.

أزعم أننا حملناه نحو اليسار صادقين ، فيما لم يكن سوانا ممن حملوه في كل الاتجاهات أقل صدقا منا . كلنا كنا صادقين في حبنا له ، لكن من الحب ما قتل .

 الصادقون البناؤون هم من شيدوا عمارة الاستقلال .أما نحن ، سكان العمارة ، فلم نتعامل معها كمالكين بل كمستأجرين أو بالأحرى كمهجرين ومحتلين ، فخلعنا شبابيكها وسددنا مجاريها وطلينا واجهاتها بالشتائم وشعارات التأجيج والفتنة ، ونشرنا غسيلنا على السطوح والشرفات. مظاهرة واحدة كانت كافية ليستقيل الرئيس بشارة الخوري ، فيما الجيل الثالث أو الرابع من الشعب اللبناني، حين  نزل كله إلى الشارع ، استمر أهل السلطة يتحاصصون البشر والحجر والشجر والليل والنهار والجبال والأنهار والسدود والأمطار وأعماق البحار .

نحن أهل اليمين وأهل اليسار على السواء ، استدرجنا الدب إلى زرعنا . كل منا وجد من يستعين به على ابن وطنه . ولم نعرف أن الذين نستدرجهم كانوا يأتون إلينا لغايات في نفوسهم ، فينطبق علينا قول الشاعر :

ومن يجعل الضرغام للصيد بازه ………………… تصيده الضرغام في ما تصيدا

والضرغام لم يكن واحدا بل ضراغم ، وكلنا نعاج . نحن ارتضينا على أنفسنا أن نكون نعاجا ، وسلمنا أقدارنا للاصدقاء والأعداء والأقربين والأبعدين .

انتبهنا إلى أن الذين علمتهم تجربة الحرب الأهلية دروسا في البناء وإعادة البناء قلة قليلة ، وإلى أن الذين تعلموا دروسا بالمقلوب كثر .

الدرس الصحيح هو أن لبنان وطن ، فلا هو ساحة ولا منصة لإطلاق الصواريخ ، ولا هو مساحة مفتعلة ولا هو بدعة ولا هو صنيعة الاستعمار

وهو أن لبنان وطن نهائي لنا ، سنحميه بأشفار عيوننا

والبناء الصحيح هو الذي لا يقوم على التفرقة بل على ما يجمع كلمة اللبنانيين ويوحدهم على الانتماء الصادق إلى وطن جميل إسمه لبنان

أعرف بالحدس أن كثيرين  مثلي على جانبي خطوط التماس استدركوا ، قبل فوات الأوان ، واستفاقوا من أحلامهم الجميلة التي غررت بهم، فأسقطتهم خطواتهم الناقصة في مغامرة أطلقوا عليها زورا إسم الثورة .

وأن كثيرين مثلي أيقنوا أن الوطنية الحقة إما أن تكون انتماء إلى وطن واحد أو لا تكون ،وأن من يوزع انتماءه ويشتته بين الوطن والأمة والقبيلة والعشيرة والملة والطائفة والمذهب هو شخص بلا انتماء .

ربما آن للجيل الجديد أن يكتب للبنان تاريخه الحقيقي لا تاريخ طوائفه. لبنان لم يكن موجودا في التاريخ كوطن ولا كان محتلا ليستقل . لبنان كان في التاريخ أجزاء من ولايات ، ومدنه كانت عواصم لولايات . صار وطنا أيام الانتداب. تاريخه قبل ذلك هو تاريخ ولايات تتسع وتضيق، لأن على قدر أهل العزم تأتي العزائم . تاريخ لبنان يبدأ بتأسيسه وبإعلان دستوره . ربما آن أن نكتب بغير لغة الخصومات والأحقاد ، أن نتوقف عن نعت الحكم التركي بالاحتلال، أن نحفظ لسايكس بيكو جميل التأسيس من غير أن ننسى جريمته في فلسطين ، وأن نكف عن لعنه صباح مساء بمصطلحات الممانعة واليسار القومي ،  واتهامه بتقسيم ما لم يكن مقسما وبتفصيل خارطات للأوطان على مقاس مصالحه .

كائنا ما كانت ظروف قيامه ، صار للبنان تاريخ . مدة قرن من الزمان كافية ليقتنع المترددون بأن لبنان ثابت وأوهامهم إلى زوال ، بأن لبنان باق وأحلامهم الثورية أو الرجعية إلى بدد.

*بعد نشر المقالة اتصل بي النقيب رشيد درباس ليصوب لي مشكورا نسبة الجملة الشعرية الى الشاعر محمد الفيتوري ، ويكملها . فهي للشاعر بدر شاكر السياب وقد وردت في السياق التالي :

                 إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون

                       أيخون إنسان بلاده؟

                      إن خان معنى أن يكون

                      فكيف يمكن أن يكون؟