1 يوليو، 2022

حكومة انتهاك الدستور

24-2-2014

يحكي زكريا تامر في ” النمور في اليوم العاشر” كيف يكون تجويع النمر في القفص وسيلة لإذلاله ثم لترويضه وتحويله من فصيلة أكلة اللحوم إلى كائن يقتاب بالأعشاب. في اليوم العاشر، يقول الأديب السوري،  يصير النمر شعبا والقفص مدينة .

بعد عشر سنوات على اغتيال رئيس الحكومة في لبنان ، و عشرة أشهر على استقالة رئيس آخر وتكليف ثالث ، نجح من بيدهم الأمر في ترويض  اللبنانيين وتعويدهم على يكونوا مجرد متفرجين على انتهاك الدستور والقوانين وعلى العيش بلا حكومة ، حتى إذا تشكلت،  ولو على أسس مخالفة للدستور، لم يجدوا بدا من تنفس الصعداء  احتفالاً بالولادة السعيدة وفرحا بالمولود.

الشعب في بلجيكا استمر من دون حكومة فترة من الوقت أطول من مثيلتها التي قضاها اللبنانيون ، لكن المدن فيها لم تتحول إلى أقفاص ولم تتبدل العادات التي فطر عليها المواطنون، لأن البلاد احترمت دستورها الذي هو ” صراطها  المستقيم “، فلم يسمح أحد في السلطة أو المعارضة لنفسه بانتهاكه الدستور أو مخالفة  مادة من القوانين المرعية.

في لبنان صار انتهاك الدستور والقوانين مادة تدريب وترويض يومي ، في كل المجالات وعلى جميع الاصعدة . تناوب على الترويض أصحاب المشاريع السياسية التي لا تتعامل مع الكيان اللبناني كوطن نهائي لأبنائه ، والتي تتراوح بين الرغبة في جعله وطنا قوميا مسيحيا أو جزءا من أمة عربية أو اسلامية أو فرعا من فروع الأممية البروليتارية . وتدرج الترويض من البسيط إلى المعقد ، من مخالفة القوانين التي تدير شؤون المواطنين  وصولا إلى انتهاك الدستور الذي يدير شؤون الدولة .

من بين النمور التي جرى ترويضها في الأقفاص رئيسا الجمهورية والحكومة. الدستور أوكل إليهما أمر تشكيل الحكومة. يجري الأول مشاورات مع اعضاء البرلمان فيكلف، على أساسها، من ينتدبه النواب ويمنحونه ثقتهم، ويقدم الثاني لائحة بتشكيلته الوزارية، فيصدرها الأول،إذا وافق عليها، بمراسيم ثلاثة ، يقضي أولها بقبول استقالة الحكومة السابقة ، وثانيها بتكليف رئيس جديد ،وثالثها بتسمية الوزراء وحقائبهم.

عشر سنوات من الترويض كانت كافية لانتزاع الصلاحيات الدستورية من رئيسي الجمهورية والحكومة وابتداع آليات جديدة لتشكيل الحكومات ، أقل ما يقال فيها أنها تخالف الأعراف و تنتهك الدستور وتقلص دور كل من الرئيسين وتختزله بدور كاتب بالعدل لا يحق له غير المصادقة على ما يقرره تجار السياسة وفجّارها .

بموجب هذه الانتهاكات لم تعد تسمية الوزراء من صلاحيات رئيس الحكومة ، وصارت الكتل النيابية لا تكتفي بتقديم اقتراحاتها العامة بل تتجاوز ذلك إلى اختيار عدد وزرائها وأسماء الوزارات، ثم إلى توزيعها ، بالمحاصصة ، على ممثليها الحزبيين ،جاعلة حق التوزير ، كما التمثيل النيابي ، حقا حصريا لأصحاب الولاء والتبعية الحزبية ، مع كل ما في ذلك من خرق للقيم ، لا السياسية منها فحسب ، بل والاجتماعية والاخلاقية أيضا .

الانتهاكات لم تتوقف عند حدود الدستور والقوانين ، بل هي تعدتها إلى الميثاق الوطني الذي  خضع لتأويلات واجتهادات أين منها تلك التي ابتليت بها الكتب المقدسة . الميثاقية في الدستور تعني حماية التنوع الوطني في لبنان تعزيزا للوحدة الوطنية التي تجسدها سيادة الدولة ، وسيادة الدولة ليست شيئا آخر غير سيادة القانون. فإذا بها تتحول ،على أيدي عباقرة الفقه القانوني والدستوري من شبحية النظام ،إلى حماية السيادة الحزبية في مواجهة الدولة والقانون ، ومعها تحول البيان الوزاري من برنامج لعمل الحكومة إلى عروض استسلام للدولة أمام الدويلات.

في نظر هؤلاء ، الميثاقية تعني حماية حقهم في انتهاك الدستور ، وحقهم في  تحويل دولة القانون والمؤسسات، عن طريق التشبيح،  إلى دولة ميليشيات … أي حقهم في ترويض النمور وتدريبها على أكل الحشائش  .