7 يوليو، 2022

نيسان واحد لا يكفي!

22-4-2012

من نيسان رقم واحد ، 1975 ، حتى الآن ، لم تكن بوسطة عين الرمانة كافية ليتعلم منها اللبنانيون أن الحرب الأهلية معمعة لا ينتصر فيها أحد ، وتنتهي ككل الحروب الأهلية بتدخل خارجي ، ويخرج المشاركون فيها كلهم خاسرين… ولا اقتنعوا ، بعد نيسان الحادي والعشرين ، 1996 ، بأن  الموقف القومي من الصراع العربي الاسرائيلي ، كان في معظمه ولايزال بهورة كلامية وتسويغا لقمع الشعوب وتأبيد حكم الأنظمة. ولا بعد نيسان الثامن والثلاثين ، بأن حكم الشيطان الرأسمالي الأصغر  كان أكثر رحمة من حكم الشياطين الشقيقة والصديقة .

لم تكن النيسانات كافية لنتوب عن استدراج الخارج والاستقواء به ، حتى أننا تعلمنا دروس التدخل بالمقلوب . بدأنا بطلب التدخل وانتقلنا إلى الإمعان في لعبة الاستدراج ، واستمرأناها فبتنا نلعب نحن دور المتدخل في شؤون الجيران والأقربين والأبعدين من الدول .

ولم تكن كافية لنفتح صفحة جديدة من العلاقات بين اللبنانيين ، فها نحن لا نزال حتى اليوم نستطيب قسمة اللبنانيين بين جبهتين ، امتدادا لقسمة الحلف والنهج التي مهدت للحرب ، إلى الجبهة اللبنانية والحركة الوطنية اللتين خاضتا غمارها ، إلى 14 و8 آذار اللتين تستكملان انشقاق الدولة وتفسخ المجتمع . ربما آن الآوان أن يقدم أبطال الحرب الأهلية ، كل أبطالها ،على اتخاذ قرار شجاع بإدانة مشاركتهم في الحرب والاعتذار للشعب اللبناني عما اقترفته أيديهم بحقه وبحق الدولة والوطن . على أن الشجاعة تقضي بألا يتنصل أحد من المسؤولية ويلقيها على عاتق سواه ، لأن كل لبناني أطلق رصاصة أو كلمة مفخخة في وجه لبناني آخر هو جزء من مسؤولية أي تفجير حصل ويحصل على امتداد الأربعين عاما التي تفصلنا عن بوسطة عين الرمانة.

ولم تكن كافية لنتعلم أن لبنان ينبغي أن يكون وطنا نهائيا لجميع أبنائه ، وأن ثنائية القطري والقومي هي من الثنائيات المغلوطة والملغومة ، وأن القوى، التي شتمت سايكس بيكو على ” فعلته”  بتجزئته الوطن العربي ( وهذا غير دقيق) ، هي المسؤولة عن تجزئة أوطانها وتوزيع السيادات الوطنية على مذاهب وطوائف وإثنيات أو احتكارها في أنظمة استبدادية وأحزاب شمولية .

ولم تكن كافية لنعترف بالإساءة إلى الحداثة والعلمانية والدولة المدنية والديمقراطية وكل مشتقات الحضارة الرأسمالية، وبإساءتنا الكبرى للثورة ولقيم الثورات في العالم وللمقاومة ولقيم المقاومات في التاريخ . لقد آن أن نعترف أننا قاتلنا من أجل العلمانية ولم نكن علمانيين ، ومن أجل الديقراطية وكنا مستبدين ، ومن أجل الحداثة وكنا أصوليين ، ومن أجل الدولة المدنية وكنا انقلابيين من أنصار أنظمة الحكم العسكري أو الدولة الدينية ، دولة الوطن القومي المسيحي أو الدولة الاسلامية أو الدولة الاشتراكية .

أكبر الإساءات هي تلك التي ارتكبناها بحق الثورة . لم نعرف من الثورة غير معاني الدم والعنف فحسب دون التغيير والتقدم. سميناها ثورات ، وهي لم تكن سوى انقلابات  سلطوية من المحيط إلى الخليج ، سيان إن كان قادتها من ضباطا أو معممين . وهي كلها كانت انقلابات على القانون وصيغا من الأحكام العرفية وتعليق الدستور . كل ذلك ، باسم المصالح القومية العليا .

شوهنا قيم الثورات في العالم . دمرنا قيمة المساواة ، وجعلناها مطية وانتهكنا جوهرها وأجمل ما فيها ، المساواة أمام القانون ، وألغينا الكفاءة ورفعنا بديلا عنها الزبائنية والمحسوبية ، ورحنا نبني الوطن على قيم الفساد والسرقة واللصوصية .

حالة واحدة لا يتكرر فيها نيسان : ألا نكتفي بطي صفحته ، بل نتابع لنطوي صفحة كل الذين شاركوا في صنعه وفي تكراره .