1 يوليو، 2022

من يطفئ النجوم؟

14-5-2016

وطن النجوم أنا هنا….. حدق أتعرف من أنا؟ أنا الشاعر إيليا أبو ماضي، أنا جبران خليل جبران، جبيل الأبجدية و”الكم أرزة العاجقين الكون”، أنا وديع الصافي والرحابنة وفيروز، أنا مبدعو لبنان وفنانوه وعباقرته الموزعون المشتتون في أربع أرجاء الكون، أنا المناضلون الواقفون دوما ببسالة في وجه كل الغزاة وكل الطغاة، أنا مقاومة الاحتلالات، كل الاحتلالات، أنا 14 آذار في ولادتها الأولى، أنا آبوالحراك الشعبي ضد من يشوه صورتك يا وطني بالفساد والفجور والجهالة والتشبيح، أنا الأطباء الماهرون والمهندسون العباقرة، أنا النقابيون النظيفون ورجال الأعمال الناجحون، أنا المزهو بانتماء صاف، لا يخالطه أي انتماء آخر، إلى الوطن ، إلى عاصمته سيدة العواصم. أنا حشود الاعتراض المدني الشعبي، في لوائح البلديات وفي المظاهرات، وفي البيانات والمؤتمرات، أنا لائحة “بيروت مدينتي” بأسمائها الحسنى كلها، بمن فيها من  عينات من كفاءات بلادي النظيفي الأكف والانقياء السريرة.

نظافة الكف ونقاء السريرة. كأن هذه الكلمات من بقايا شعر قديم أو من أضغاث الأحلام، إلى أن ترشحت نادين لبكي في “بيروت مدينتي”، فتجسد النقاء والنظافة واستعاد لبنان وجهه المشرق.

رسخوا في تقاليدنا أن المرشح الأوفر حظاً إلى منصب عام، نائباً أو رئيساً أو وزيراً أو غير ذلك، هو الأكثر تزلفاً والأطول يداً والأوسخ سيرة والأشد قذارة. وباتت السياسة في ثقافتنا 
نقيضا للوصايا العشر، إلى أن لمع اسم أحمد قعبور بين رفاق له من النظيفين الأنقياء. لا أحفظ أسماءهم لكنهم يشبهون 
لبناننا وأحلامنا.

كنا نتخيل أن عينيها الساحرتين قد ترشحانها لعرش الجمال، وإذا بالسحر يتألق فيهما من دمعتي حب صادقتين للوطن، للعاصمة. هو الفارق الصريح بين عيني نادين المغرورقة بدموع مجبولة  بالحب والوطنية، وتلك العيون البلقاء التي تسرق الضوء والمال العام وتستثمر في جوع الفقراء وتمتطي جهالة الدهماء.

“بيروت مدينتي” كوكبة نجوم. مثلها مثل لائحة بعلبك البلدية ولوائح أخرى في كل الوطن، 
وهي تشبه صرخات الاعتراض على نهب النهابين وفساد الفاسدين، على نفايات الشوارع 
ونفايات السياسة المتسلطين الرابضين على صدر الوطن، المتحصنين داخل المربعات المذهبية، المتاجرين بالوطن والطوائف والأديان. عشرات الآلاف الذين اختاروا “بيروت مدينتي” هم نسخة ” اقتراعية” لعشرات آلاف العلمانيين الذين تظاهروا، منذ سنوات، تحت المطر، حاملين المظلات، أو لعشرات آلاف الموظفين الذي ملأوا الشوارع بدعوة من لجنة 
التنسيق النقابية، أو لعشرات آلاف ملأوا الساحات في 29 آب 2015. نجوم تضيء سماء
بلادنا وتمنحنا الثقة بمستقبل الوطن، لكنها، للأسف، سرعان ما تنطفئ.

يحلو لنا أن نتحدث في كل مرة عن انتصار منقوص، انتصار لا يتعدى الجرأة على التحدي. لكنه لا يعقد ثمراً. يدعوننا إلى أن نفرح بإنجاز جزئي، بتحطيم أرقام وبلوغ عتبات، أو نعيّر خصومنا بهزائم لها “طعم الانتصار”، وهو كلام لا يخلو من الصحة، لكننا في كل مرة نبدو كأننا نبدأ من جديد، نلغي ماضينا ولا نراكم ولا نستخلص دروساً ولا عبراً.

لن نحفر في التحليل النفسي لندين حب “الأنا”، لأن الأمر يتعلق بالشأن السياسي قبل كل شيء. والمعيار في السياسة هو البرنامج والخطة وخريطة الطريق، وهو، قبل كل هذا، مصداقية من يحمل اللواء، ليظهر الغث من السمين والحقيقي من المزيف.

“بيروت مدينتي” هي النسخة الأخيرة من التجارب الناجحة التي خاضها المجتمع المدني 
وجسدها الحراك الشعبي بعشرات الآلاف من المتظاهرين أو المقترعين، لكن نجاحها، كما 
سابقاتها، نسبي، فهو لايخترق حصون الخصم، بل يبقى على تخومه، ولا يهدد طمأنينة رزوحه على صدر الوطن . الوجه الأول من مأساة الحراك الشعبي ، مهما بلغ من الضخامة وقوة الحشد، أن أهل السلطة والفساد لا يرون فيه إلا مجرد إنذار، يفيدهم بالتنبه لمخاطره ويتعلمون منه فن استعادة توازنهم المفقود.

الوجه الثاني، وهو الأخطر، نوم أهل الحراك على حرير نجاح نسبي، نجاح عابر ومؤقت، لا يكون استمراره مؤكداً إلا إذا تسلح ببرنامج وخطة وخريطة طريق.

“بيروت مدينتي” لم تستأثر بالكفاءات العلمية والاجتماعية، بل بوضوح الرؤيا، وهي نجحت في حملتها لأنها، بمصداقيتها، كشفت زيف المنافسين والمتسلقين وتجار الدين والمتخصصين بشق الصفوف وبتفريق الشمل، وتخلت عن الشعارات ذات الطابع الايديولوجي أو تلك المتعلقة بالقضايا الكبرى، فلا الاشتراكية ولا المجتمع المسيحي ولا الدولة الاسلامية ولا القضية الفلسطينية بل الجهر بحب الوطن ومواجهة الفاسدين والمفسدين ولصوص المال العام ومنتهكي الدستور ومتحاصصي ثروات الوطن ونفاياته، مواجهتهم بقيم أخلاقية وسياسية بديلة، بالصدق والاخلاص والكفاءة والسعي إلى تعزيز الوحدة الوطنية وبناء دولة القانون والمؤسسات.

“بيروت مدينتي” ليست البداية، بل هي إضافة نوعية إلى ما حققه الحراك الشعبي وقوى المجتمع المدني في النضال السلمي من أجل الديمقراطية. وهي لم تؤسس، بل تستكمل انجازات سواها، مستفيدة من كبوات وثغرات وقعت فيها قيادات الحركة الشعبية التي كانت تغلّب المنازعات على التوافقات وتعمق الاختلافات وتبعثر الجهود… كل ذلك بسبب رغبتها باختصار الزمن واختزال المناضلين وادعائها احتكارالحقيقة.

نجاحها هذا ليس رهناً بحشد عشرات الألوف من الذين يتبعثرون غداة كل تحرك، أو عشرات ألوف جدد، بل يتوقف على قدرتها على تجميع الجهود وتوحيد الطاقات تحت راية برنامج بسيط عنوانه إعادة بناء الوطن والدولة تحت سقف القانون والمؤسسات.


المصدر :

https://www.almodon.com/opinion/2016/5/14/%D9%85%D9%86-%D9%8A%D8%B7%D9%81%D8%A6-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AC%D9%88%D9%85