7 ديسمبر، 2022

“الاقليات” سلاح ضد الاقليات

2-4-2016

كلما رنّ في أذني مصطلح “الأقليات” أتحسس، من جهة، ظلماً وقع على أحد ورغبةً بنصرته، ومن جهة أخرى، خوفاً من بطش أحد ورغبة بمواجهته. لكن المصطلح خادع لأنه يموه الحقيقة. مصطلح يفترض وجود ظالم، هو الفاعل، ومظلوم يقع عليه فعل الفاعل، ثم تتفاجأ بأن الفاعل هو صانع المصطلح وهو نفسه المختبئ وراءه.

المصطلح جزء من قاموس سياسي شاع استعماله في بلادنا في العقود الأخيرة، وساعدت فرضية هنتنغتون عن “صدام الحضارات” على تعميمه في أربع أرجاء الأرض. وهو يفترض أن الأقليات مهددة بمصائرها وأن “الأكثريات” هي مصدر الخطر، وتتداخل الحسابات والأرقام بين القلة والكثرة، غير أن الجاني يضع نفسه فوق الصراعات ليديرها على شكل حروب أهلية.

من المحيط إلى الخليج كشفت أحداث الربيع العربي عن وجود أمراض متشابهة أو متقاربة، لكن مصطلح “الأقليات” لا يشكل تشخيصاً دقيقاً لها. في الجزائر الأقلية الأمازيغية والأكثرية العربية كلاهما يقع تحت وطأة الظلم ذاته، في ليبيا تضيع الأقلية والأكثرية داخل الانقسامات القبلية، في تونس تعداد المسيحيين من بين السكان أقل من مئة مواطن، ولا تعثر في هذا البلد على أقلية غير يهود في طريقهم إلى الانقراض. في مصر ما من مرة كانت أزمة النظام ناجمة عن صراع بين الأقباط والمسلمين. الصومال يكاد لا يعرف أقلية في مناخ التخلف الأكثري. في السودان، بعد انقسامه، بتنا لا نعرف من هي الأقلية التي يقع عليها فعل الفاعل. في كل من سوريا والعراق، تبدو الأقلية هي التي تمارس القهر على الأغلبية. إذن من يقاتل من؟ ومن يحتاج إلى الحماية؟ الأقليات أم الأكثريات؟

المصطلح ذاته أربك اللبنانيين، فابتكروا له تأويلاً ومرادفات، فراحوا يتحدثون عن غبن الأكثرية الاسلامية وخوف الأقلية المسيحية، وارتبك الشيعة حين نغص عليهم المحيط السني كثرتهم  العددية في لبنان، وجعل اليسار العلماني  مهمته الدفاع عن حصة السنة، بينما راح اليمين العلماني يتاجر بمصالح المسيحيين، ويبحث عن صيغة لتحالف الأقليات في المشرق، فيما هو يضحي بتحالفها على الصعيد اللبناني، ويضحي برئاسة الجمهورية ، فيما هو يتظاهر بالتفاني من أجل وظيفة إدارية من الفئة الرابعة.

الأكثريات والأقليات ظاهرة أطلت برأسها حين شرعت الحضارة الرأسمالية بتكوين الشعوب ورسم حدود الأوطان، لكن النزعات القومية، الرأسمالية المنشأ، هي الأخرى، زعزعت أسس الأوطان الحديثة حين وزعت البشر استناداً إلى اختلافاتهم اللغوية والاتنية والدينية، فأفنى المتنافسون الأوروبيون بعضهم بعضاً في حروب طاحنة، ولم يتعلموا الدرس المفيد إلا بعد عشرات الملايين من الضحايا في الحرب العالمية الثانية، التي أقنعتهم بأن “الموت في التماثل والاختلاف حياة الزمان”(العبارة لمهدي عامل)، وفرضت عليهم العمل على تنظيم اختلافاتهم لا على تفجيرها.

نزعاتنا القومية العربية والدينية لم تقتنع بعد. وكأني بها تتوسل حرباً عالمية ثالثة، وتستدرج المنازلة على حلبة الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، مستخدمة كل وسائل التعمية، ومن بينها شعار الأقليات وكل مشتقاته،  لتخفي حقيقة الصراعات القائمة فيه، ولتضع شعوب هذه المنطقة بين خيارين اثنين، إما الحكم الوراثي إما الحروب الأهلية. سوريا ليست عيّنة معزولة.

التنوع الديني والاتني واللغوي والسياسي بات جزءا من تكوين العصر الحديث بقوة المساواة أمام القانون، ومضى الزمن الذي كان فيه الحاكم يتباهى برعية تمتثل لمشيئته بالقهر، ويقنعها بأن ما تفعله ليس امتثالاً، بل تماثل طوعي بالرضى والقناعة، ومساواة كأسنان المشط أو كفقاسة البيض.

الفارق بين الحضارة الرأسمالية( الصناعية) وسابقتها الاقطاعية(الزراعية) هو أن الحاكم المعاصر اقتنع بالعمل على إدارة التنوع ورعايته وحمايته، مع ما يتطلبه ذلك، في الأساس، من احترام الآخر المختلف والاعتراف به، وهو يبدو مستحيلاً خارج الديمقراطية.

مصطلح الأقلية والاكثرية هو أفضل صيغة لتمويه الاستبداد في أنظمة “إلى الأبد”، وهو أقرب الطرق لإشعال الفتن بين فئات الشعب، واللعب على انتماءاتها المتعددة وإذكاء نار الخلاف بين مكوناتها المتنوعة. المصطلح إذن ليس أكثر من خدعة تشيح النظر عن أنظمة الاستبداد، وتنظم الحروب الأهلية بين الاكثريات والاقليات بديلاً عن احترام التنوع والحق بالاختلاف.

البلد الذي يضم أوسع مروحة من التنوع والتعدد ليس مجرد بلد، بل هو شبه قارة. إنه الهند. شبه القارة الهندية. وهو أكبر ديمقراطية في العالم. الذين رفضوا إدارة التنوع في الصيغة الهندية انشقوا عنها ليختاروا أنظمة استبدادية لإدارة الحروب ورعاية العنف والارهاب والقتل والاغتيال.

أنظمة الاستبداد تعالج التنوع بإحدى طريقتين، إما بطمسه كما في الأنظمة التوتاليتارية، أنظمة الحزب الواحد أو الحاكم إلى الأبد، إما بدفع النزوع إلى التمايز حتى حدود الانفجار والحروب الأهلية. وحده النظام الديمقراطي يجعل المختلفين مواطنين متساوين سياسياً ، تحت سقف القانون، ويحترم اختلافاتهم الثقافية ويحميها ويجعلها ركناً متيناً للوحدة في إطار التنوع  ومصدراً غنياً من مصادر الثروة الوطنية.

المصدر :

https://www.almodon.com/opinion/2016/4/2/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%B3%D9%84%D8%A7%D8%AD-%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA