3 ديسمبر، 2022

الحراك المدني نضال أم هزال؟

18-3-2016

ليست المرة الأولى التي يستجيب فيها الجمهور لنداء نضالي، فينزل إلى الساحات العامة في مظاهرات صاخبة مطالبة بالاصلاح، وليست المرة الأولى التي يعترض الجمهور فيها على شكل النضال ومضمونه ويستنكف عن المشاركة. إلا أنه كان شديد الوضوح هذه المرة عندما صار يتحول الحراك إلى مسرحية خشبتها الشوارع ولاعبوها عدد محدود من محترفي التظاهر. ولهذا ليس طبيعياً ألا يستوقف المعنيين بالحراك عزوف الجمهور بل اعتكافه ودخوله في حالة من اليأس والقرف، فيستخفون بردات الفعل والانتقادات والاعتراضات النابعة من حرص لا من موقع سلبي وعدائي.

كانت الصحافة خير داعم للحراك من بدايته، أما أن ترى فيه ضرباً من “الزعرنة” فذلك يعني أن كيل الحريصين على الحراك طفح، وبلغ السيل الزبى، ما يملي على قادة الحراك أن يتوقفوا أمام أخطاء يحتمل أنهم ارتكبوها، ويقرأوا تجربتهم السابقة بعين نقدية، ويعيدوا النظر بثلاثة أمور قد تبدو برأيهم من البديهيات أو المسلمات، الدور والأهداف وخارطة الطريق.

الحراك الناجح الذي بدأ منذ عام وبلغ ذروته في آب الماضي لم يكن الأول. فقد سبقته تحركات أخرى واحتجاجات على سياسات السلطة السياسية، من بينها التحرك الشعبي الذي قام به عشرات آلاف من العلمانيين حملوا المظلات في طقس ماطر، وتحرك آلاف مؤلفة استجابة لهيئة التنسيق النقابية، وقبل هذا وذاك المظاهرة الشهيرة التي قادها الاتحاد العمالي العام في أواخر الحرب الأهلية اعتراضاً على شطر العاصمة إلى شطرين. تلك عينات فحسب من عشرات سواها، ربما كان أضخمها حشود ملأت الشوارع تحضيراً واسع النطاق للحرب الأهلية في سبعينات القرن الماضي.

لقد سقط قادة الحراك المدني ضحية غرور صبياني معتقدين أنهم هم أصحاب الفضل في كتابة أول صفحة من تاريخ النضال الوطني ، فأساؤوا إلى من سبقهم وحاولوا إضرام حرب بين الأجيال. ولأنهم قرأوا التاريخ بهذه العين  بات من الصعب عليهم أن يتعلموا من تجارب سواهم. وليس للتخفيف من حجم أخطائهم ولا لتبريرها،  فلربما كانت تلك الأخطاء  بعضاً من ثمار التربية الحزبية التي رسخت تقاليد التنابذ بدل التنافس الشريف، وسياسة الالغاء بدل التعاون وعدم الأخذ بمبدأ التراكم والاستمرارية.

صحيح أن أجيال النضال السابقة فشلت، لكن ذلك لم يحصل بسبب نقص في كفاحيتها، بل بسبب أخطاء في تشخيصها أمراض المجتمع والنظام السياسي، وها هي قيادة الحراك المدني تعيد التجربة بالأخطاء ذاتها، من غير أن تستخلص دروساً مفيدة من الماضي. المفاهيم المغلوطة الراسخة لم تدخل إلى طرق تفكير “المناضلين” الجدد صدفة، بل انتقلت إليهم بالجينات من الأجيال السابقة، خصوصاً وأن معظمهم من خريجي المدارس الحزبية القديمة، وبات عليهم اليوم أن يعيدوا النظر لا بالمبادئ والقيم العليا بل بمعانيها الموروثة، أي أن يشحنوا مصطلحات العروبة والوطنية والعلمانية والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بمضامين جديدة، وأن يعيدوا النظر، على نحو خاص، بكل ما يتعلق بالوطنية والانتماء الوطني، وهذا  يفترض أن يتعاون المختلفون وينظموا خلافاتهم من داخل الوحدة الوطنية، لا أن يتصارعوا كأعداء أبديين، كالخير والشر أو كالملائكة والشياطين، أو كما هي صورة الصراع القديم بين السلطة والحركة الشعبية أو كما هو التفسير المبتذل للصراع الطبقي، فيؤدي شكل صراعهم هذا إلى التفريط بالوحدة الوطنية وسيادة الدولة.

النفايات وشلل القضاء وتعطيل المؤسسات والفساد المالي والاداري…هذه كلها أعراض مرض وليست هي المرض. كم من  عملية إصلاح إداري أقدمت السلطات عليها وظلت مقصرة عن الاصلاح؟ كم من صرخة أطلقها المجتمع المدني والصحافة الحرة والنخب المثقفة والفنانون في مسرحياتهم ورواياتهم وقصائدهم في مديح النهضة والتقدم وهجاء التخلف والجهل؟  أكثر من ذلك، حين ظنت القوى اليسارية أن عطل النظام في سوء توزيع الحصص( حصص الصلاحيات والمسؤوليات) فتحت الباب أمام نزاع حول المحاصصة انحدر إلى تحاصص النفايات، وحين ظنت أن إلغاء الطائفية السياسية هو الحل تقهقرت الحال بالبلاد إلى حضيض المذهبية.

هذه كلها أعراض مرض وليست هي المرض. الحل دائما في السياسة . أيا يكن نوع الأزمة، إدارية أو مالية أو تربوية أو اجتماعية فحلها لا يكون إلا حلا سياسياً. القانون هو المعيار. تطبيقه هو النجاح وخرقه الفشل. لقد أخطأ قادة الحراك المدني حين أغرقوا أنفسهم في أعراض الأزمة وأغفلوا أسبابها العميقة. ظنوا أنها أزمة نفايات وفساد، بينما هي، في الحقيقة، أزمة سلطة سياسية تنتهك الدستور والقانون، وأن الفساد في الإدارة والقضاء والأجهزة والمؤسسات هو من صنعها. ولهذا بدت المطالبة بإسقاط النظام أكبر من مجرد خطأ شكلي، وصارت ولادة أخطاء شتى أولها توسل العنف والتخريب وقطع الطرقات للتعبير عن الاحتجاج، وليس آخرها إدخال الحراك وأهله في حالة من الاحباط واليأس وإرجاء مهمة الاصلاح المنشود إلى أجيال أخرى وعقود تالية.

نجح قادة الحراك في التقاط اللحظة المناسبة لدعوة الناس إلى الشارع للتعبير عن سخطهم. وكانت النفايات هي “القشة التي قصمت  ظهر البعير”، أو النقطة التي فاضت بها الكأس، ونجحوا في لعبهم دوراً رائداً في واجهة التحرك الجماهيري الواسع النطاق، ولم يقصر أحد في مباركة خطواتهم الأولى والاستجابة لها. لكنهم تصرفوا مع التوكيل الجماهيري غير المشروط باستخفاف غير محدود، إذ اعتقدت كل حملة من الحملات أنها وحدها قادرة على متابعة المهمة، وأدين بعضها بالعمل على تخريب التحرك وحرفه عن مساره، وأدين بعضها الآخر بالانخراط في انقسامات السلطة السياسية والانتصار لفريق منها ضد الآخر.

لم يفت الآوان بعد. الحراك المدني حاجة وضرورة للوطن، وخصوصا لأجيال المستقبل. يبنى الوطن ببناء الدولة، دولة ذات سيادة ، وما السيادة غير سيادة القانون.

الحراك المدني الناجح يحتاج إلى خارطة طريق من ثلاثة بنود، أولها توحيد جهود جميع الحملات حول هدف واحد هو الإصلاح السياسي، من خلال تطبيق النظام، وليس إسقاطه، واحترام القانون والالتزام بأحكام الدستور، وتعديل ما يلزم تعديله من داخل المؤسسات الدستورية، ولاسيما قانون الانتخاب. وانطلاقاً من هذا فإن كل شعار اصلاحي تفصيلي لا ينطلق من الاصلاح السياسي ولا يصب فيه هو خطوة فاشلة. وثانيها تنسيق الجهود وعدم التفرد بأي نشاط مستقل، لأن النجاح يقاس بالقدرة على تجميع الطاقات لا بالتمايز والتشتيت والشرذمة. التنسيق حتى في صياغة الشعارات وتحديد أماكن التجمع وممارسة الضغط على السلطة،  وثالثها الالتزام باستخدام وسائل النضال السلمي وعدم استدراج السلطات السياسية لاستخدام العنف وإجهاض التحرك.   

المصدر :

https://www.almodon.com/opinion/2016/3/18/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%86%D9%8A-%D9%86%D8%B6%D8%A7%D9%84-%D8%A3%D9%85-%D9%87%D8%B2%D8%A7%D9%84