3 ديسمبر، 2022

ناتالي الخوري…من هو المجنون؟ المدائن أم البشر أم الآلهة؟

27-12-2015

أبطال رواية(*) ناتالي خوري غريب وبطلاتها ليسوا من لحم ودم، بقدر ما هم من أفكار. الشخصيات لا يظهر منها سوى أسمائها، فيما هي تتوارى خلف الأفكار.

هبة، زوجة الشيخ سامح، دورها محصور في حضانة عائلتها الملاحقة بالتهجير، ثم الموت معها في أتون الحرب، من غير أن ترتسم لأي من أفرادها قسمات أو ملامح. وحده الشيخ، الذي تخيّلته نسخة تشبه سواها من المعممين وخطباء المساجد، خلع أفكاره الدينية ومضى نحو متاهة الأسئلة والضياع.

بسمة، زوجة جابر، شاشة ارتسمت عليها ملامح قيم وأفكار عن الحب الصادق والوفاء وعزة النفس، فيما لم يظهر من شخصية جابر سوى سحنة رجل المخابرات الحقير، مرة في أول الرواية وأخرى في آخرها.

حياة، زوجة حبيب سعد الشيوعي، ظهرت في ثلاثة مشاهد، من غير ملامح، هي الأخرى، كان آخرها خبر عن ابتعادها في هجرة نهائية إلى موسكو لتعيش مع عائلتها، تاركة زوجها تتجاذبه الأفكار الممتدة بين الإيمان بـ”إلغاء الطبقية” والمصالحة مع الأفكار الدينية والحب المستحيل.

رهف، الثلاثينية الجميلة العزباء، تعلقت بسامح بعلاقة حب جميلة لم تكتمل، ليتدبر رجل المخابرات الحقير ذاته أمر اغتيالها في العراق.
إضافة إلى شخصيات ثانوية عديدة انحصر دورها في خدمة تبادل الأفكار.

المكان يمتد بين المشرق العربي، لبنان وسوريا والعراق، وإفريقيا. مقابل سعة المكان، ضاق الزمان على الإجيال لأن الحرب كانت كفيلة بقطع التواصل وتقصير فواصل الوقت، وتهجير العائلات وتدمير البيوت على ساكنيها.

هجرت الحرب السورية الشيخ سامح من حمص إلى حلب، هدمت بيته وقذفت به إلى بيوت الأقرباء ثم إلى غرفة في مدرسة، وحولته من إمام المسجد إلى بائع كتب على الرصيف، وقضت على عائلته وهي في طريق الهرب إلى تركيا. اعتقل وعفا عنه سجانه جابر لقاء تكليفه بمهمتين، مساعدة عائلته على الانتقال إلى لبنان، ونقل حافظة ألكترونية(ميموري كارد) إلى صديق. في لبنان استقبله رفيق الدراسة الجامعية حبيب سعد وأمّن له عملاً، ولبسمة زوجة جابر مسكناً. ثم انتقل بحكم عمله إلى افريقيا كمراسل لمحطة تلفزيونية، ومن هناك راح يستكمل مهمته الاعلامية في العراق بعدما اجتاحت داعش مناطق الأيزيديين. تنتهي رحلته والرواية في لقاء من باعدت بينهم ظروف الحرب، لكن من دون حياة زوجة حبيب سعد التي قررت الرحيل إلى موسكو، ومن دون رهف الصبية التي أحبت سامح ودبر جابر عملية قتلها في العراق، ومن دون بسمة التي اكتشفت حقارة زوجها وهاجرت إلى حيث تسكن والدتها في المجر. وهكذا يفترق النسوة جميعا عن أزواجهن، والعائلات تبعثرت أشلاء بالقذائف أو بالخيانات أو بالحب المستحيل. من المسؤول عن كل تلك المآسي؟ لا بد من توجيه السؤال إلى الله.

الأبطال- الأفكار هي الحب، الحياة والموت، الفلسفة، الدين، التصوف، الحضارة، التاريخ، كلها ضحية التشويه والتحريف والتدمير، والمجرم واحد هو الحرب.

أول ما دمرته الحرب هو الإيمان. تبدأ الرواية بالسؤال: هل هجر الله شعبه؟ ثم تتناسل أسئلة ممتدة من الشك حتى الكفر، بل تضع الله أمام امتحان المساءلة: كيف تسمح بأن تقتل زوجتي، كيف تسمح بحرب عبثية، بأن تتقاتل شعوب باسمك… كيف تخطف امرأة، نهارها تسبيح وليلها سجود، كيف تسهم في الغدر؟ وتنتهي الرواية بمر الكلام على لسان الذي كان شيخاً معمماً: لن أسامحك أبدا يا الله. ثم يسعى بطل مضمر من أبطال الرواية بالبحث عن خلاص ما، عن آلهة تصغي إلى صراخ شعبها، عن سماء اقتلعت من جذورها الأديان، عن أرض عقيمة لم تزرها آلهة الخصب، ولا تتوالد فيها الشياطين، ويسأل آخر، أين هو الله؟ ألا يرى ما يحل بالأرض؟ أين رحمته ؟ أين حبه؟ أين عدله؟ ثم بعد سيل من الأسئلة يناجي البطل المضمر ربه بالسؤال، ربي، هل ما أبحث عنه كثير؟

أغلب الظن أن الجواب على سؤال الرواية الأخير هو نعم. ما تبحث الرواية عنه كثير، إنها تبحث عن الله. وجدت الله مجسداً في الحب، لكن، للأسف ما من علاقة حب واحدة استطاعت أن تستمر في جمع الحبيبين.

قد يبدو مألوفاً التوجه إلى الله بالسؤال بل بالمساءلة، من فلسفات الشك اليونانية أو الديكارتية أو المادية في التاريخ، حتى آخر صرخة اطلقها من يتوجع أو يشكو من غضبة القدر أو من موت غير مبرر. من السؤال عن مصير مرتكبي الكبائر في معارك الاسلام الأولى إلى قول المتنبي الشهير الذي يرى في الموت عدوانا حقيقيا على الحياة:

إذا أنت أمعنت الحياة وصرفها             لأيقنت أن الموت ضرب من القتل

إلى جبران الذي باح بما يشبه الكفر بعدما فقد أمه وأخته في بلاد الاغتراب القسري، إلى محمد الماغوط في قوله، “أحلم بسلّم من الغبار والظهور المحدودبة لأصعد إلى أعالي السماء وأعرف أين تذهب آهاتنا وصلواتنا”، إلى عقل العويط في صرخته المدوية التي شكا فيها من انحياز محتمل ضد العرب في معركتهم مع الصهيونية. ولن تتوقف صرخات الشكوى ما دامت الحياة مستمرة على وجه الأرض وما دامت الأجوبة على أسئلة الغيب غائبة.

مع أن في الرواية الكثير من المآسي، في بعضها دمار مادي ورماد وأنقاض، وفي بعضها دمار نفسي وخيبات ومرارات، إلا أن الكاتبة حصرت الأحداث الدرامية بين البداية ( دمار الحرب) والنهاية (دمار علاقات الحب) وحشدت بين الدمارين هموماً وحوارات غنية تناولت فيها مروحة واسعة من القضايا الثقافية.

تعلمنا من الرواية شيئاً عن الحضارات والتاريخ. عن الموصل وعن تسميتها بأم الربيعين، للطافة جوها في فصلي الاعتدال، والحدباء لتعرج النهر فيها، والموصل لأنها صلة الوصل بين البلدان. وتعرفنا الرواية على الأيزيديين، الأقلية الصغيرة التي تعيش في سنجار وتؤمن بإله اسمه “إيزدان” هو خالق الكون من غير أن يكون حارسه. اسمها مشتق من إيزيد وهي كلمة فارسية تعني الملاك… وتعرفنا على حياة أفريقيا ومصائبها السياسية والوبائية.

لغة الرواية تعتمد على معادلات رياضية فلسفية وعلى بلاغة الأمثال: “الموت مع الكثرة هين، الثوابت في الحياة هي الاقرار بالمتغيرات، أيّ الأسفار تخلو من الأروعين، المتعة والمغامرة، وأي الأروعين لا يخلو من خطرين، الندم والسقوط؟ في نسيان ما كان خيانة لمن رحلوا، التطرف أكثر فتكاً من الحقد، الصبر أبعد من تكيّف وأكبر من ذكاء، الخوف من خسارة من نحب أعظم هولاً من الخسارة ذاتها (المتنبي)، العبث هو البطل، الجد قناعه. العبث هو الثبات، الجد متغير، ومن الجد ما قتل، سهم الأبعدين لا يصيب…”.

المعادلات الفلسفية واللمحات الشعرية تربط مفاصل الحوار في كل القضايا، فالنسيان في نظر الكاتبة ذو نسب دارويني، هو أصل من أصول التبدّل والتحوّل، وهو لغة لها أسرارها وبلاغتها وتوريتها وكناياتها، ولا يكتب هذه اللغة إلا قلم برأسين، الصفح والأمل… والحياة اكتمال نبض الجنون في شرايين الفصول، وفي البدايات جموح التحولات وفي النهايات ذكرى حماقات البدايات.

وفي الرواية مرور عابر على السياسة، لا يطلق عنان الحوار ليسبر تعقيداتها كما هي الحال في قضايا الدين والفلسفة والتصوف، بل مجرد إشارات تدل على أن الكاتبة تنظر إلى السياسة من طرف عينها وتستخف بها وتستصغر من شأنها، ما يفسر أن تلك الإشارات لا تصيب أهدافها لأنها لا تصوب بدقة، كأن ما أرادت الكاتبة أن تقوله عن السياسة  قالته عن الفكر. “الفكر للترف، وليس حتمية نهضوية، وضرورة للخلاص، وبخاصة في ظل أنظمة اقتصادية اجتماعية يتحمل عبء تجوفها المواطن الذي يقع على عاتقه تأمين ضمانات يومه وغده، وتكون هيمنة الهم المعيشي هي الأولوية…” وكلام آخر يشبهه عن تقليد النموذج الصيني والكتاب الأحمر أو الليبي والكتاب الأخضر، أو التجربة الستالينية”.

لا يطلب من الرواية تقديم أجوبة على أسئلة السياسة والفلسفة والدين، ولا على أي سؤال. لكنها لا ترمي في لجة الأسئلة أبطالها  فحسب بل قراءها أيضاً. كاتب الرواية يرشد الشخصيات إلى سبل للتملص من الأسئلة ومن الإجابة، ويحجب السر عن القارئ، ليوقعه في مغبة البحث عن إجابات، هي في جانب منها نقد لصيغة السؤال، وفي جانب آخر، نقد للإجابة التي يضمرها السؤال. ذلك أن كل طريقة في طرح الإشكالية تضمر جوابها.

في سياق بحثها عن أسئلة وأجوبة عن الله والإيمان والالحاد، رسمت الكاتبة منطقة لقاء بين عائد من الجبة والعمامة وعائد من الشيوعية، لعلهما يلتقيان. وقد جعلتهما يلتقيان في منطقة مرتبكة بين الإيمان والالحاد، غير إن قيمة هذا اللقاء تكمن في حصوله في دفء العلاقات الانسانية، لا في مكر العلاقات السياسية، أي حين لم يعد إيمان رجل الدين مجرد طقوس، ولم تعد شيوعية الحزبي تعصباً أعمى للفكرة، وحين بحث كل منهما عن مصالحة مع الذات أولاً. أما الإيمان والالحاد فهما أبعد من تأويل آية في النص الديني أو تفسير مغلوط لعبارة من كتاب ماركس.

أسئلة داعش وكل التطرف الديني تطرح أسئلة الإدانة. من المسؤول، النص الديني أم تأويله أم كلاهما معاً؟ وجوابي على السؤال، النص أولاً، ثم قارؤوه الجهلة، الداعية والأمير والخطيب وقارئ العزاء وغاسل الموتى. (مقالتي عن تعليق الدين والتعليقات عليها). تقول الكاتبة إن “داعش لا تعرف ربًّا ولا نبيًّا، ولا تمت بصلة إلى الاسلام… من يفخر بقطع الرؤوس وسبي الناس وتهجير المسيحيين وتدمير التراث ونسف المقامات الدينية ومن يهدد بنسف الكعبة، أيكونون مسلمين؟” أجل هو الاسلام السياسي المعاصر بكل تياراته، الأكثر اعتدالاً والأكثر تطرفاً. آن ألا نخجل بماضينا، هذا هو تاريخ كل الأديان. كانت تسيل الدماء كلما تنطح رجال الدين لممارسة السياسة. محاكم التفتيش القروسطية في إسبانيا وأوروبا الجنوبية لم تكن أكثر تسامحاً ولم تكن صورتها أكثر نقاءً أو بهاءً من وحوش هذه الأيام. لكن آن أن نخجل من حاضرنا. والحل ليس بالعلمنة.

الحل من شقين. الشق الأول حرية الإيمان بكل ما تعنيه الحرية، أن يؤمن المرء بالله الرحمن الرحيم أو بالأب والإبن والروح القدس، أو بالشمس أو بالعلم أو بالبقرة، بحسب ما يشاع عن الهنود، أو بالكارما البوذية، وأن يمارس طقوس الإيمان كيفما شاء، بالخشوع أو الصلاة أو الرقص الصوفي أو الزهد أو النسك وكل أنواع العبادات، أن يمارسها وحده من غير مكبرات صوت وعراضات مسلحة. ومن شاء أن يعود بإيمانه إلى عصور الخرافة والأساطير وحكايات الجن والمهدي والمخلص، فليجعل ذلك سبيله وحده للتواصل مع الله، وهذا حقه، حقه وحده، حقه كفرد في علاقته الفردية مع الله، وعلينا أن نحمي له هذا الحق.

الثاني هو ألا تستغل طقوس الإيمان الجماعية أو توظف في غير وجهتها الدينية، أي أن يكف المتاجرون بالدين عن تحويل النفوس المتحمسة إلى عبوات ناسفة، وعن حشو عقول الدهماء بالجهالة الجهلاء، وعن تضليل العامة وإقناعهم بإن مفاتيح الجنة في حوزة رجال الدين. خلاصة ما تعلمناه من جامعاتنا ومراكز الأبحاث والاكتشافات العلمية أنه  لا سبيل إلى خلاص الانسان إلا عن طريق عقله الواعي. العقل الواعي هو عقل العلم الذي ينظم علاقة الفرد بالفرد وعلاقة الانسان بالطبيعة وبالمجتمع والدولة. العقل الغيبي الإيماني ينظم علاقة الفرد بربه. من حق أي كاهن أو معمم أن يكون رجل سياسة. لكن ليس قبل أن يخلع عنه ثوب الدين.

(*)”هجرة الآلهة والمدائن المجنونة”، صدرت عن دار سائر المشرق.

المصدر :

https://www.almodon.com/culture/2015/12/27/%D9%86%D8%A7%D8%AA%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D9%85%D9%86-%D9%87%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%A7%D8%A6%D9%86-%D8%A3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1-%D8%A3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D9%84%D9%87%D8%A9