1 يوليو، 2022

أضاحي أم شهداء و ضحايا

محمد علي مقلد                                                                   3-10-2014

كتب صاحب أحد الأقلام المبدعة على موقع التواصل الاجتماعي نصا جميلا حول الموت ، قال فيه: “في الإنفجار الذي سأُقتلُ فيه، جلّ ما أريده هو أن أجد خلال احتضاري لحظة، لكي أتمدد كما أريد… أريد أن أسلّم جسدي وروحي كما لو أكون في فراشي… أنا أضع يداً تحت خدّي، واليد الأخرى أضم بها وسادة… هكذا أنام وأحلم…” يعني أنه لا يريد أن يموت مصنفا بين شهداء الانفجارات، ولا من بين الشهداء عموما، مع أنه كان مناضلا فذا في صفوف جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد جيش الاحتلال الاسرائيلي.

ربما كان ذلك اعتراضا منه على تصنيف الموت في بلادنا ، واعتراضا ، قبل ذلك ، على جعله سلعة تجارية أو مادة  للعمل السياسي.  

تخليد ذكرى من ماتوا ليس ظاهرة لبنانية بل هو طقس عالمي ، لكن لكل بلد عاداته وتقاليده. مقابر الشهداء أو أنصاب أو مؤسسات وساحات وشوارع تحمل أسماءهم. المعلم الأكثر أهمية في لينينغراد( سان بطرسبرغ) هو المقبرة الجماعية التي تضم رفات ملايين الضحايا من الجبهة الشرقية في الحرب العالمية الثانية .

في النورماندي، أي على الضفة الأخرى، الغربية، من تلك الحرب، ترى التكريم ذاته، مقبرة جماعية على امتداد النظر. وفي عاصمة النورماندي ، الهافر نصب ضخم كتبت عليه أسماء الجزائريين الذين قضوا في المعركة ضد النازية.

في الشرق حيث تحرق جثث الموتى في تجمع احتفالي، يحفظ شيء من رمادها في بيوت الأقارب أو في جدران المعابد . وفي مناطق أخرى تقام احتفالات أو تشرب الأنخاب ، الخ . الخ .

الحروب العربية الاسرائيلية فضحت تهافت قيمة الأفراد في نظر حكامهم ، كما أظهرت البراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية كم هي رخيصة حياة الشعوب في نظر أنظمة الاستبداد.

 يسهل حساب مراتب الموتى، تبعا لانتماءاتهم الطبقية والاجتماعية أو لظروف موتهم، أو لطبيعة الطقوس وتكاليفها المادية أو لطبيعة الاحتفالات التي تقام تخليدا لهم. ولهذا فمن الطبيعي أن تكون لبعض ضحايا الحروب حصة من التكريم تفوق حصص سواهم ، لا سيما القادة منهم أو من يصنف منهم شهيدا. أما الذين يموتون ميتة عادية ، بمرض أو حادث أو بفعل الشيخوخة وانقضاء العمر، فلهم تكريم ديني واجتماعي ، وحتى في مراسم الدفن وتكاليفه وطقوس الولائم والصلوات والخطابات ومجالس العزاء والقداديس عن أرواحهم.

في الحروب الأهلية كل من يموت من أجل القضية شهيد. يحسبونه شهيدا على جانب من الجبهة وقتيلا في نظر الفريق الآخر. حتى صار لكل جبهة شهداؤها ولكل منها يوم سنوي لتكريم الشهيد. حتى لو كان “الشهيد” من هذا الفريق مشاركا في قتل “شهيد” من الفريق الآخر.

ما لم يكن محل اتفاق أو إجماع هو مضمون القضية وظروف الموت . فهل شهادة الجندي في الجيش الذي يدافع عن الوطن والدولة والسيادة والقانون تشبه شهادة المسلح الذي يقاتل ضد الجيش أو ضد مسلح من ميليشيا أخرى ؟ وهل الذاهب إلى الحرب يقصد الذهاب طوعا إلى الموت ؟ وهل يكون راغبا حقا بحياة أخرى بعد الموت أم هو راغب بحياة أفضل قبل أن يموت ؟وهل من يقضي في تفجير نفسه بحزام ناسف هو استشهادي أم انتحاري ؟

في ظروف عيد الأضحى يطرح السؤال : هل يضحي الشهيد بنفسه أم أنه يكون أضحية من أجل القضية؟ ويستحضر المؤمنون الحكاية الدينية التي أمر الله فيها بتحريم التضحية بالبشر ، ويستحضر المؤرخون  كيف تدرجت التضحية من الابن البكر إلى الابن المعاق إلى الأنثى ، إلى أن صار المسلمون يضحون بالخراف عند القيام بمناسك الحج.

الطقوس التي تلي الموت أو الشهادة دليل على أن حصة الميت من التكريم أقل بكثير من حصة الأحياء . قد يستثنى من ذلك ما كان يصنعه الفراعنة بموتاهم عموما ، وبالموتى من ملوكهم على وجه الخصوص، إذ جعلوا لهم الأهرامات قبورا وزودوهم بمؤونة للإقامة الطويلة فيها بعد الموت.

قيل كلام كثير في تمجيد من يموت من أجل القضية . في القرآن والشعر . “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم”. “لا تبكه فاليوم بدء حياته …إن الشهيد يعيش يوم مماته”. لكن الشهادة، في جميع الأحوال، ليست سوى شجرة مثمرة دانية قطوفها ، لكن لغير الشهداء .