3 ديسمبر، 2022

الدرس اليساري من تونس

30-10-2014

نتائج الانتخابات التونسية : سقوط النهضة أم سقوط الثورة ؟ سقوط النهضة هو ما أجمعت عليه التعليقات والتحليلات السياسية في تونس وخارجها . شذ عن هذا الاجماع ناطق باسم النهضة حسب النتيجة نكسة لا هزيمة، وآخرون حسبوها تراجعا مؤقتا . أما الكلام عن سقوط الثورة فكان نادرا ، وكان نابعا من خيبة ومن رغبة في أن يكون الرابحون هم أهل الثورة من اليسار لا أن يعود النظام القديم برموز جديدة قديمة .

حصل اليسار ، بحسب التصنيف اليساري القديم للكلمة، على خمسة ونصف بالمئة من أصوات الناخبين أو من عدد النواب في المجلس الجديد وكان ترتيبه الرابع بين القوى السياسية ، بعد نداء تونس والنهضة والاتحاد الوطني . فهل يمثل هذا الرقم الحجم الفعلي لليسار ؟

لقد بات من الضروري والملح، بعد تجربة الانتخابات التونسية خصوصا والربيع العربي عموما ، وضع تعريف جديد وبرنامج نضالي جديد لليسار، بهما يقاس نجاحه وفشله، وبموجبهما يغدو مقياس الحجم الفعلي متناسبا طردا مع تقدم العملية الديمقراطية لا مع عدد الفائزين من المرشحين الذين يصنفون أنفسهم في جبهة اليسار.  

انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية أعلن نهاية اليسار بنسخته وبرنامجه القديمين، ولا يغير في هذه الحقيقة مكابرة قيادات الخطاب الخشبي والجمود العقائدي  وعدم اعترافها بذلك. ربما كانت المكابرة ناجمة عن طرح السؤال اليساري بطريقة مغلوطة ، لأن السقوط المدوي في بداية التسعينيات دفع بعض سيئي النية من المبغضين وبعض ضعفاء النفوس من المحبين إلى التساؤل عما إذا كانت ثمة حاجة إلى وجود اليسار، فكان من الطبيعي ، حينذاك ، أن ينكمش هؤلاء على أنفسهم ليقاوموا موجة الإبادة والزوال، ثم جاء الربيع ليكشف عن عمق الهوة بين مطالب اليسار القديمة ومطالب الحركة الشعبية الربيعية.

 بعد ربع قرن على ذاك الانهيار ، وبعد سنوات على الربيع العربي، وبعد أن ثبتت حاجة الأوطان لوجود يسار ما ، بات على اليسار أن يعترف باستحالة استمراره في صيغته القديمة ، وآن له أن يستيقظ من وهلة السؤال عن موته ، ليجيب على سؤال البحث عن ولادته الجديدة ، عن كيفية إعادة بناء نفسه.

العمود الفقري في قضية اليسار القديم هو سؤال العدالة ، أي ما يتعلق بتوزيع الثروة وإزالة الفروقات الطبقية وطي صفحة استثمار الانسان للأنسان، الخ. وإذا كان صحيحا ما قاله ماركس، وهو صحيح ، أن الحياة توضح لنا الحقيقة بأفضل مما توضحها الأفكار( أنها أهم من جميع أفكارنا)  فقد اثبتت تجربة قرن من حياة الاشتراكية المحققة وقرنين من حياة الماركسية، أن الأولوية في حياة البشرية المعاصرة هي لسؤال الحرية لا لسؤال العدالة، من غير انتقاص من أهمية السؤال الثاني.

كمال جنبلاط عنون فصلا من فصول كتابه ، “من أجل لبنان” المنشور بالفرنسية : ” ما نفع الخبز من غير الحرية ؟” ولئن كان جنبلاط قد استشرف باكرا مخاطر غياب الحرية في المشروع الاشتراكي، وفاجأ الشيوعيين اللبنانيين في عيدهم الخمسين (1974) بخطاب شجاع، أنذرهم فيه، وأنذر من خلالهم كل اليسار العربي، من مغبة الاستخفاف بحاجة الشعوب إلى الحرية، فلا الخطاب ولا هزيمة المشروع الاشتراكي كانا كافيين لإقناعهم بأن البرنامج الأفضل للتغيير الثوري ليس ذاك الذي نتمناه ونتخيله ونحلم به ويستحيل تحققه، بل الذي يتماشى مع مسار التاريخ والذي تفسح له الحياة (الحدود التاريخية بالتعبير الماركسي) المجال إلى التحقق.

بات على اليسار العربي أن يقر من غير تردد ، بأن الربيع العربي ، أيا تكن شرارته ، ( البحث عن العدالة في حادثة بوعزيزي ، أو الانتفاضة ضد عنف الإجهزة الأمنية في مصر وضد حكم الفرد والعائلة وغياب القانون في ليبيا، أو ضد استبداد الحكم الوراثي في اليمن وسوريا ، أو استبداد نظام المحاصصة  في العراق ولبنان) بأن الدافع المشترك وراء جميع الشرارات هو البحث عن الحرية، أي عن إسقاط أنظمة الاستبداد الجمهوري والملكي والأوليغارشي والانكشاري والوراثي والعسكري، والبحث عن آلية حديثة لبناء دولة قوامها تداول السلطة لا تأبيدها ، مع كل المستلزمات المتمثلة في بناء المؤسسات والاحتكام إلى الدساتير والقوانين وإلى السلطة القضائية ، الخ. الخ .

الانتخابات التشريعية التونسية، بهذا المعنى، انتصار لا يرقى إليه الشك للربيع العربي، بصرف النظر عن نتائجها التفصيلية. وهي انتصار، حتى لو كان الفائز فيها حزب النهضة الاسلامي، لأن لهذا الحزب فضلا في إيصال الربيع التونسي إلى نهاياته السعيدة، متمايزاً عن أصوليات إسلامية أخرى يعمل بعضها على بناء دولة الخلافة التي تكفر ما عداها ، وبعضها الآخر على محاربة الالحاد ، فيما وافق هو على دستور ينص في أحد بنوده على حرية الضمير، وليس فقط على حرية الاعتقاد.

كل اليسار العربي، لا التونسي وحده، معني بهذا الدرس المستفاد، ليعيد بناء نفسه وليستعيد دوره مدافعا حقيقيا عن الحرية والديمقراطية ، وليناضل، بالتالي، من أجل عدالة منشودة ، قد يكون اسمها الاشتراكية ، ولم يحسن اليسار القديم رسم خارطة الطريق الصحيحة للوصول إليها.