7 يوليو، 2022

الجامعة يقتلها بنوها

10-7-2014

اعتذر من ثلاثة  ، من أساتذة جامعيين قليلين جدا لا يرقى إلى كفاءتهم شك أكاديمي، ومن أصدقاء يأملون بالدخول إلى جنة التفرغ، ومن طلاب في الجامعة اللبنانية عباقرة ما زالوا، رغم كل شيء، يجترحون المعجزات و يتخرجون منها ويشرفون الوطن  بإنجازاتهم العلمية، قبل أن أطلق صرختي الثانية ، دفاعا عن هذا الصرح العزيز على قلوب كل من مر به،  طالبا أو أستاذا ، في مرحلة تألقه وعزه .

صرختي الأولى أطلقتها يوم تقدمت باستقالتي من الجامعة اللبنانية (أنهيت خدماتي ) ، قبل بلوغي سن التقاعد القانونية ( نشرت النص  يومذاك في الصحف ، ثم في كتابي عن الشيعية السياسية وسأعيد نشره على صفحات التواصل الاجتماعي ، لتمكين الذين اعتذرت منهم من الاطلاع عليه). لم يكن ممكنا أن أبقى شاهد زور على جريمة موصوفة يقترفها بحق الجامعة سياسيون مع أساتذة  وطلاب وإداريين من أزلامهم  ، ويدفعون بها نحو الانهيار.

 حلول المعايير السياسية محل الأكاديمية كان نذير انحدار في صرح الجامعة الوطنية . المدخل إلى  التخريب المنهجي للجامعة تمثل في تطبيق معادلة المحاصصات بين زعماء الطوائف على إدارتها وجسمها التعليمي ، وبعد ذلك على رابطة الأساتذة . بدأ مشوار الانحدار بفرض الولاء السياسي شرطا أساسيا في اختيار رئيسها، والاستزلام السياسي شرطا للدخول إلى صفوف هيئتها التعليمية . بدأت نسبة الكفاءة الأكاديمية تتراجع أمام منسوب الولاء والاستزلام ، رئيسا بعد رئيس وأستاذا بعد أستاذ إلى أن حذف المعيار الأكاديمي من قاموس التعيينات ، حتى لو كان الشخص المعين من أصحاب الكفاءات ، وصارت الكفاءة الوحيدة المقبولة والمعترف بها هي تلك التي تقررها المكاتب التربوية الميليشيوية لا اللجان العلمية في الجامعة .

إذا كان السياسيون مصدر الخطر الحقيقي على الجامعة ، فإن أدواتهم المباشرة جامعية مئة بالمئة . إليها أوكلوا تنظيم عملية التدمير ، منذ أن بدأت إحدى كلياتها تبيع الشهادات للخليجيين وتمنحها لمسؤولي الميليشيات ، إلى أن تحولت معظم الكليات إلى مجال نفوذ لضباط المخابرات السورية يتخرجون منها حملة دكتوراه في العلوم الانسانية ، ويتدخلون في الشؤون الإدارية والتعليمية حتى في كليتي العلوم  والطب .

كان ذلك نذيرا بتحويلها إلى بؤرة للفساد بإشراف السياسيين وحمايتهم المباشرة ، ففي كل عملية تزوير مفضوحة أو اختلاس مشهود ينتهي الأمر بطي الملف بأمر من صاحب الأمر ، فيضرب السياسي عصفوري تخريب بحجر واحد يصيب فيه الجامعة والقضاء معا .

لأهل الجامعة حقوقهم المشروعة في العيش الكريم ، لكن الجامعة بملاكها الإداري والتعليمي ليست الطريق الالزامي للحصول عليها . بل ربما يكون ذلك هو السبيل الأقصر لتدمير الجامعة والقضاء على كل الحقوق المكتسبة سابقا والمرفوعة لاحقا ، ذلك أن انهيار هذه المؤسسة في سياق انهيار سائر مؤسسات الدولة قد يؤدي إلى دمار شامل في غمرة الانهيارات الكبرى التي تصيب كيانات المنطقة برمتها . ما الذي يضمن الدخول إلى الملاك إن كان مصير الجامعة والوطن كله غير مضمون . وما هي الجدوى العلمية والاقتصادية والسياسية من جامعة تنتفي فيها المعايير العلمية والأكاديمية ؟

تلك أسئلة تطلب الإجابة عليها ممن حصلوا على نعمة ” الملاك” عن غير طريق الكفاءة  العلمية . يسأل أستاذ تعاقد ليدرس إحدى اللغات الأجنبية من غير يعرف منها كلمة واحدة ، ويسأل آخر ممن لا يعرف ماذا يعني مصطلح ” الإشكالية ” في البحث العلمي ، وثالث لم يتابع ما توصلت إليه البحوث في مجال “منهجية البحث العلمي ” ورابع قضى حياته الجامعية من غير أن يكتب بحثا علميا ولا حتى صحافيا واحدا  .

أكبر تهمة رميت في وجوه سياسيي الأمس  هي التقصير. سياسيو اليوم متهمون بالتدمير . الجسم التعليمي حفظ من الأوائل أسماء أعلام كبار ، بطرس ديب ، فؤاد أفرام البستاني ، إدمون نعيم ، حسن مشرفية ،عبدالله العلايلي ،صبحي الصالح وسواهم … لكن الأواخر ! 

“وتمشي أواخرهم على هام الأوالي ”

معالي الوزير ، دولة الرئيس وكل المسؤولين ، اعطوهم حقوقهم المشروعة في العيش الكريم ، ولكن ، حماية للجامعة وإنقاذا لها ، لا تدخلوهم إلى ملاكها.