3 ديسمبر، 2022

بين الارهاب والاستبداد

3-7-204

مرشد الثورة الإيرانية ندد بما يشهده العراق من أحداث سيطرت فيها داعش وأخواتها على وسط البلاد ، واصفا ما يحصل بأنه صراع بين الإرهاب ومواجهة الإرهاب . الارهاب ، بحسب تحليله ، يتجسد بتلك القوى التي اقتطعت أجزاء واسعة من البلاد وأخرجتها عن سلطة الدولة المركزية بقيادة نوري المالكي ، وأعلنت قيام دولة الخلافة الاسلامية فيها (تصريحه سبق إعلان الدولة بيومين ). أما التصدي للارهاب فهي مهمة جليلة يقوم بها رئيس الوزراء المالكي ، الذي تباهى ، قبل أسابيع من إعلان دولة الخلافة ، بأنه يدافع عن دم الإمام الحسين .

هذا الكلام معطوفا على تصريح نائب رئيس مصلحة تشخيص النظام  الإيراني ، أطلقه من أذربيجان الإيرانية ، بعد إعلان دولة الخلافة ،بأن المنطقة ستشهد كربلاء جديدة ، وأن مؤامرة تحاك ضد الشيعة ، يعني أن الارهاب الذي تحدث عنه المرشد هو إرهاب مصدره الحركات المنتمية إلى المذهب السني .

جرت العادة على استخدام الفزاعات لإرغام المجتمع على الرضى بما يقرره الحاكم ، كما العادة على التهويل بالأخطر للقبول بالأقل خطورة . بدأ هذا النهج منذ أن تحكم بالعالم العربي منطق الخيارات المغلوطة في بدايات النهضة الموؤودة ، إلى أن بلغ ذروته في ظل حكم الأنظمة القومية التقدمية التي وضعت الشعوب العربية ، كل في بلده ، أمام خيارين لا ثالث لهما : الاستبداد أو الحرب الأهلية .

ولا يزال هذا النهج صالحا ومؤثرا حتى في العقول النيرة التي استسهلت شتم الربيع العربي ومآلاته الدموية والفوضوية ، مع ما يحمله ذلك من دعوة ضمنية للتضامن مع الأنظمة القائمة في بلدان الربيع العربي وفي العراق ، بذريعة واضحة مفادها ، أن الاستقرار في ظل أنظمة مستبدة خير من عدم الاستقرار في ظل ثورات مجهولة الآفاق .

أحدث صيغ الثنائيات المغلوطة تتمثل بوضع الشعوب أمام الاختيار بين استبداد الأنظمة و إرهاب المعارضة . استبداد من داخل النظام أو إرهاب من خارجه ، والفارق بينهما ، إذا ما استعرنا تشبيه جبران ،  كالفارق بين الضبع والذئب . الضحية واحدة في جميع الحالات.

في هذا السياق يمكن تفسير كلام المرشد . فهو يضع الشعب العراقي ، كما السوري من قبله ، أمام خيارالقبول بالحاكم المستبد إلى الأبد ( الصيغة الأسدية ) وإلى آخر الفساد والافساد والفئوية استعدادا لأنبلاج عصر الظهور ( النسخة المالكية ) أو التعرض لخطر الإرهاب من خارج النظام على أيدي الأصوليات الداعشية ذات المنشأ السني .

أما لبنان فينطبق عليه خيار آخر، إما سلطة الاحتلال الاسرائيلي( أو التهديد أو التهويل به ) إما سلطة السلاح من خارج الدولة ، بذريعة أن الدولة عاجزة عن مواجهة العدو الصهيوني . وإذا ما أعطي اللبناني حق الاختيار فمن الطبيعي أن يقف ضد الاحتلال الصهيوني الذي أذاق اللبنانيين مر القهر ، مثل أي أحتلال أجنبي ، وفي ظل الخيارين تتراجع  سلطة الدولة أمام سلطة الميليشيات .

 قد يكون لبنان حالة فريدة تعايشت فيها الدولة، أو تساكنت،  مع تنظيمات مسلحة خارجة عن سلطتها ، لكن ذلك لم يكن بلا آثار سلبية ، بل كارثية أدت إلى تراجع في دور مؤسسات الدولة لحساب مؤسسات رديفة أو موازية تتحكم فيها قوى مسلحة على حساب القانون والدستور .

أما سائر بلدان العالم العربي والاسلامي فلم تنجح فيها تجربة المساكنة ، فكان الخيار الصعب بين الارهاب والاستبداد ، ولذلك تأبدت أنظمة الحكم أو تجددت صيغ الاستبداد، وظل الارهاب فزاعة ضد النظام  وفزاعة بيد النظام ضد الشعب .

الارهاب أو الاستبداد ، كلاهما لإلغاء الخيار الوحيد الممكن والصحيح ، ولو متأخرا ، الذي ينقل العراق وسوريا ولبنان وسائر بلدان العالم العربي ، بلدان الربيع وغيرها ، إلى حضارة القرن الحادي والعشرين ، بعيدا عن المناكافات والنزاعات القومية والدينية والإتنية والإيديولوجية . إنه خيار الضرورة ، خيار بناء الدولة الحديثة ، دولة المواطنة والديمقراطية ، لا دولة المحاصصة اللبنانية أو العراقية ، ولا دولة الجمهوريات الوراثية و الملكيات ، ولا دولة الانقلابات العسكرية ، ولا الدولة القومية الشوفينية ، العربية أو الكردية أو الأمازيغية ، ولا الدولة الاسلامية ولا الاشتراكية ولا المسيحية ،الخ . بل دولة القانون والمؤسسات .