1 يوليو، 2022

جاذبية بلاد الاستعمار

13-10-2013

حطت بنا الطائرة في كوبنهاغن  ، وانتقلنا من مطارها إلى الميناء لنستقل السفينة في رحلة شملت مدنا أوروبية في بريطانيا وفرنسا والبرتغال وإسبانيا ، ثم عدنا  بالطائرة إلى بيروت.

على متن الباخرة أكثر من أربعة آلاف شخص بين سائح وموظف ، من كل الجنسيات. كنا نتوهم أن الإلفة لا تكون إلا صنيعة توافق سياسي أو إيديولوجي ، غير أن السياحة في بلاد الاستعمار علمتنا كيف تكون الإلفة بين مختلفين وكيف يكون احترام حق الاختلاف ، في أن يختار كل على هواه ، السباحة في واحد من البيسينات العديدة أو الرقص في إحدى القاعات أو احتساء فنجان قهوة أو كأس خمرة مع صديق أو الرياضة مع مدرب أو المطالعة في مكتبة أو النوم في حجرة  أو حمام شمس في الهواء الطلق أو حضور حفلة راقصة في مسرح السفينة الشاسع كأنه على اليابسة.

سياحة في بلاد الاستعمار .

 إما أن تكون ضد الاستعمار فتختار للسياحة بلدا من بلدان الممانعة ، وإلا فأنت من محبيه والمعجبين به والداعين إلى عودته . هكذا يفكر الذين يستخدمون هذا المصطلح من غير تدقيق، فيتشوش في أذهانهم مفهوم النضال وكل المفاهيم الأخرى المتعلقة بالتاريخ والاقتصاد والسياسة.

 “كارهو” الاستعمار يتفاجأون ، وهي مفاجأة مفهومة ، حين يعرفون أن البرتغال وإسبانيا والبلدان المنخفضة ، ومنها بلجيكا وهولندا والدنمرك ، هي أول البلدان الاستعمارية ،وبعدها جاءت فرنسا وبريطانيا . لكن مفاجأتهم غير المفهومة هي أن هذه البلدان ، كما سائر البلدان الرأسمالية ، هي بلدان سياحية من الطراز الرفيع وأن زوارها يعدون سنويا بالملايين ، وهم من كل أنحاء العالم ، بما في ذلك من المستعمرات التي كانت خاضعة لها .

الاستعمار كان شرطا من شروط قيام النظام الرأسمالي في القرن السادس عشر ، بعد اكتشاف أميركا ورأس الرجاء الصالح . هذا ما تقوله لنا متاحف البرتغال وإسبانيا حيث ترتفع أنصاب التكريم لفاسكو دي غاما وكريستوف كولومبوس ، أو أنصاب التكريم لشهداء الجزائر الذين سقطوا في النورماندي دفاعا عن فرنسا ضد النازية . وهذا ما تقوله لنا كتب التاريخ حين تروي حكاية حرب البهار وطريقها الشبيهة بطريق الحرير ، التي شقتها البرتغال بين البحر والبر من المتوسط حتى أندونيسيا وجزيرة جاوا، أو حكاية الغزو الأوروبي لأميركا واستئصال سكانها الأصليين من الهنود الحمر في الشمال وتدجينهم في الجنوب ، أو كل الحكايات التي تبرز حقيقة واحدة هي أن الاستعمار كان حاجة ملحة لقيام النظام الرأسمالي العالمي ، وسيبقى حاجة  لتوسع هذا النظام أفقيا ، على ما وصف ماركس.

 الاستعمار هو لتوفير المواد الأولية لمصانعه والأسواق لبيع بضائعه.والاستعمار، بلغة السياسة والاقتصاد والنضال الوطني ، هو لنهب خيرات الشعوب . لكن ذلك حصل في زمن مضى ، ثم تغيرت آليات النهب وآليات التجارة وانتهت تلك المرحلة  مع  الحرب العالمية الثانية بتفكك الاستعمار القديم الذي لم يبق منه اليوم إلا الاغتصاب الصهيوني لأرض فلسطين. في ما تبقى من أصقاع الأرض ، نشأت علاقات من نوع آخر بين البلدان الرأسمالية الكبرى وسائر بلدان العالم .

إسبانيا تتعامل مع ” الاستعمار” العربي أو الاسلامي ، الذي استمر لثمانماية عام ،باعتباره جزءا عزيزا من تاريخها ، ففي كل مكان آثار العرب ماثلة ومصانة ، ومصانة أيضا في أوروبا كلها مكانة الفيلسوف العربي الاندلسي ابن رشد باعتبار عقلانيته جسرا عبر عليه الفكر الأوروبي من القرون الوسطى إلى الحداثة .

 الممانعون عندنا يتعاملون مع الاستعمار الفرنسي للبنان وسوريا الذي استمر أقل من ثلاثين عاما، بغير ما تعاملوا مع ” الاستعمار” التركي لبلاد العرب كلها الذي استمر أربعماية عام . مفاهيم مطاطة في بلادنا ، ومصطلحات علمية في بلاد الاستعمار . كلام إنشائي خطابي عندنا يقرع طبول الحرب ضد عدو لا يحول ولا يزول ، وسياحة هناك تجعل التاريخ مادة للدراسة ، بينما هي في بلادنا مادة لحروب من غير نهاية على تفسير التاريخ وتأويله ، كتلك التي تجري على أحقية الخلافة بين علي ومعاوية. المسألة لا تتعلق بسيادة أو استقلال أو احتلال ، بل بمفاهيم مغلوطة لأن أفضل طريقة للتمويه على سلطة الاستبداد الداخلي هي في التصويب على عدو خارجي ، وفي إقناع الناس دوما بنظرية المؤامرة.

التاريخ في بلاد الاستعمار مادة للتثقيف ، في أي معلم أثري أو تراثي تجد من يحفظ حكايته ويرويها بزهو وافتخار . لا يعيبهم أن العرب أقاموا هناك  قرونا ، وتاريخهم مع القارة الأميركية ليس تاريخ فتوحات استعمارية بقدر ما هو اكتشاف جديد غيّر وجه الكون ، ولم تكن صدفة عادية أن تاريخ اكتشافهم أميركا هو هو تاريخ خروج آخر عربي من غرناطة ، عام 1492 .أي أن النهوض الاستعماري بدأ في اللحظة ذاتها التي أخذ فيها التاريخ العربي يشق طريقه نحو الانحطاط . فقبلها  بأربعين عاما كانت قد سقطت القسطنطينية وتربع الأتراك العثمانيون على عرش الخلافة العربية والاسلامية .

الآتون من بلاد الدنيا على متن السفينة يتفننون في توفير الظروف المساعدة على تأمين راحتهم وسعادتهم وقضاء عطلتهم ، فيما نحن نهرب إلى السياحة في بلاد الاستعمار لنرتاح ممن يصمون آذاننا بخطب نارية ووعود بالحرب والموت والقتل ، لنتفادى أخبارنا المحلية عن السجون واللصوص وقطاع الطرق وتجارة الخطف . صحيح أن الفساد لا دين له ولا وطن ، لكنه في بلاد الاستعمار جريمة يحاسب عليها القانون بقسوة ، أما في بلادنا فهو مأثرة وسبيل للترقي الاجتماعي والسياسي. والفاسدون ، في الأغلب الأعم ، هم الذي يتسترون بالحرب الكلامية على الاستعمار ليضاعفوا منسوب فسادهم ومنسوب استبدادهم .

ما قبل الرأسمالية كانت الحضارات تتوسع وتتمدد ، لكن ضمن حدود . مع الرأسمالية صار التوسع بلا حدود ، ولم تعد تتسع اليابسة فصارت المحيطات والبحار والفضاء هدفا . الاستعمار ” هبة ” الرأسمالية ،تمثلا بمصر هبة النيل ، إذن حل مشكلة الاستعمار لا تكون بشتمه أو بجعله مشجبا تعلق عليه أسباب تخلف العرب والمسلمين ، إذ ليس هو السبب في ميل الأصوليات إلى القتل ،فهذه تعودت القتل قبل الاستعمار، بل منذ أول الخلفاء الراشدين حتى آخر المقتولين في السجون العربية أو آخر المقتولين بالأسلحة الكيماوية في العراق وسوريا ،  وابتكرت فنونا في العنف فاقت فيها دفن الناس أحياء كما كان يفعل الحجاج بن يوسف أو محاكم التفتيش الكنسية ،   ولا هو السبب في انحدار الصومال إلى ما قبل التاريخ ، أو غرق أفغانستان في وحول الجهل والتعصب ، أو ارتكاب العالم العربي جريمة تعميم الأمية على سبعين بالمئة من سكانه ، وجريمة نشر الحروب الأهلية من المحيط إلى الخليج . هذه كلها اعراض أزمة النظام الرأسمالي العالمي بمركزه وأطرافه . أما الحرب على الاستعمار الوهمي أو الافتراضي فهي ليست سوى استعادة لحروبنا على تفسير التاريخ   لا على بناء المستقبل.

فوق ذلك ، بلاد الاستعمار هي المحجة للعلم والاستشفاء وتهريب الأموال . وبها تستغيث شعوبنا  ضد حكامها المستبدين ، ومنها نستورد التقدم . وهي الملاذ والمأوى لأي حاكم  تهدده  ثورة أو ربيع   فيفر إلى قصر اشتراه هناك بأموال غير شريفة ، وملاذ الهاربين من جور الحكام أو الباحثين عن الحياة الآمنة ، وملاذ أصحاب الاستثمارات الذين تبدأ أوطانهم وتنتهي عند حدود رساميلهم.

فهل علينا ، بعد ، أن نصدق  حروبا معلنة على عدو وهمي؟؟؟

ليست هذه إشادة بالاستعمار ولا دعوة لعودته . بل هي دعوة موجهة إلى المنساقين وراء الحروب الوهمية للوقوف دقيقة صمت عن روح أعمارنا التي بددناها دفاعا عن أنظمة الاستبداد.