7 يوليو، 2022

فجور المجلس النيابي

محمد علي مقلد                                                                    17-10-2014

معظم اللبنانيين ، بمن فيهم الذين شاركوا بانتخاب نوابهم ، يشعرون بالخجل والخيبة كلما استمعوا إلى أخبار البرلمان وتصريحات البرلمانيين ، و ” يغرقون تحت الأرض” كلما قرأوا دراسة جدوى عن عمل ممثلي الشعب وعن دوام كل منهم وتوزيع وقته ونشاطه وانتاجيته على مدار السنوات الأربع الأصلية والأخرى الممدة خارج الأصول وخلافا للدستور والقوانين .

   قال لي أحدهم وقلبه ممتلئ قرفا وغضبا ، أنه قرر العودة من حياة الاغتراب إلى لبنان ، لكنه لم يتحمل أن يراهم على الشاشات “يمارسون الفجور والكذب الصريح وكل أشكال المعاصي، ويحاضرون بالعفة، فيما هم ليسوا سوى أشخاص عاطلين عن العمل متحدرين من سلالة الميليشيات والتشبيح ، يسرقون مال الشعب وينتهكون القانون”. وقال لي ما لا يليق بكرامة الدولة والوطن أن ينشر ويقال في الإعلام . وختم بعزمه على التراجع عن قرار العودة وتقصير الزيارة والعودة إلى حيث كان .

   هناك ، النائب موظف يداوم في مكتبه نهارا ويقوم بمهمات التشريع ومراقبة الحكومة ومحاسبتها ، وهناك يتنقل بسيارته من غير مرافقين ولا حراس ولا قوى أمن ، ومن غير زمور النجدة أو الاسعاف ومن غير التجاوز وتعطيل الإشارات الضوئية لدى مروره الميمون، وهناك يقدم في نهاية ولايته جردة حساب بما قام به . هناك يكون النائب عن حق ممثلا للشعب لا ممثلا شخصيا لزعيم الطائفة أو رئيس اللائحة، أو سمسارا لبيع العقارات أو المعاملات أو التحايل على المناقصات .

الشكوى النيابية بحق شبان معترضين على التمديد ليست سوى تعبير رمزي عما آلت إليه آليات الاحتكام إلى القانون في لبنان. أعضاء في المجلس النيابي يشكون ظلامتهم أمام القضاء على من سولت له نفسه التطاول على منتهكي الدستور و القانون وعلى فقهاء الجهل في التشريع. خطيئة أصحاب الشكوى أشد هولا  من خطأ المتطاولين . هؤلاء يصرخون من ألمهم مما آل إليه وضع البلاد والعباد ، فيما أولئك يمارسون على الشعب وباسم الشعب أكثر صنوف الاستبداد عسفا وظلما وقهرا .

  المحاصصة باسم الطوائف قهر. تعطيل المجلس النيابي قهر. الجهر بتمثيلهم الطوائف والأحزاب بدل تمثيلهم الشعب قهر. المنازلات والمناكفات الاعلامية التي يسف بعضها عن آداب الكلام والحوار ويسقط إلى مستوى لغة الشارع قهر. خطابات الحرص الكاذب على مصالح الوطن والشعب والطبقات الشعبية قهر. تمثيليات فقدان النصاب في جلسات انتخاب رئيس للجمهورية قهر. الادعاء المزعوم بأن المجلس سيد نفسه فيما هو ينتظر قرارا خارجيا لاختيار الرئيس قهر.

ترقى إلى مرتبة الكذب الموصوف والعجز الموصوف سياسة التسويف التي يعتمدها المجلس النيابي كلما صار على موعد مع نهاية ولايته، فيؤجل سن قانون جديد ، ثم يستسهل التمديد لنفسه خلافا للدستور مستعفيا من مهمة البحث عن السبيل الوحيد القادر على وضع البلاد على سكة الحل ، القادر على تجديد الحياة السياسية. ثم يستغبي ناخبيه وجميع المواطنين في ماراتون الاجتماعات الفولكلورية المليئة بالضجيج والفارغة المحتوى.

البرلمان اللبناني الذي يفترض أن يكون وجوده تعبيرا عن الديمقراطية، ليس سوى تجسيد رديء لنظام استبدادي يتم فيه اختيار معظم النواب بالتعيين ( عند تشكيل اللوائح) أو بالوراثة ، واختيار حكوماته بمحاصصة كريهة لا تأخذ بمبدأ الكفاءة. وربما يجهل أعضاؤه أن أحد وجوه الأزمة اللبنانية التي انفجرت عام 1975 هو تزوير الإرادة الشعبية بقانون انتخابي يعتمد النظام الأكثري الكفيل بإلغاء الرأي الآخر أيا يكن حجمه، ويعتمد تقسيم الداوائر الانتخابية التي تكرس الانقسام الطائفي والمناطقي والتحاصصي.

  المتظاهرون يملكون كل الحق في رفض التمديد، وبعض النواب يملكون كل الحق في الشكوى من الإساءة إليهم كأفراد. وما دام الرفض خجولا وضيقا سيستقوي نظام الفساد على نظيفي الكف من أفراده نوابا ووزراء ، كما سيستقوي على الرافضين والمعترضين عليه، وقد يشكوهم ويحكتم للقانون وقد يعاقبهم بوسائل التشبيح المتاحة خلافا للقانون .كل ذلك حصل وقد يتكرر …  لكن من المؤكد أنه ما لم يصبح الرفض عارما  وما لم تتعاظم موجة الاحتجاج على هذا الفلتان الميليشوي داخل السلطة التشريعية وخارجها ، وموجة الضغط من أجل سن قانون انتخاب كفيل بتجديد النخب السياسية ، الخ . فلن ينفتح أمام اللبنانيين اي أفق للتغيير يطيح بهذه الطبقة الحاكمة الفاسدة المفسدة .