7 يوليو، 2022

جمّول والقوات

18-9-2014

قد يجد اللبناني في كل يوم من أيام السنة مناسبة مقدسة. من بينها في أيلول، ذكرى انطلاقة المقاومة الوطنية اللبنانية وذكرى استشهاد الرئيس بشير الجميل، وذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا. تستحضر المناسبات مع كامل عدة الصراع القديم وما تنطوي عليه من أبعاد ومعان. يغيب السلاح الناري لكن السجال يبقى نارياً، وتستمر المبارزة حول قضية المقاومة ، فتتباهى القوات اللبنانية بمواجهات خاضتها ضد الجيش السوري، وجمول بمواجهات بطولية مع قوات الاحتلال الاسرائيلي. وإذ يركز كل من الطرفين على “المقاومة” كإنجاز وطني، فهما يصران على توظيفها في مصلحة الانقسام الوطني بدل الاستفادة من دروس الحرب الأهلية لتعزيز الوحدة الوطنية .

اليسار المسلم واليمين المسيحي ( بحسب تعبير إذاعة لندن وسواها) انخرطا، بمقاييس السيادة الوطنية، في معركة مغلوطة هي، بالمعنى الدقيق للكلمة، معركة خيانة وطنية. فكانا متساويين في انتهاك السيادة بقواهما الذاتية، عبر توليهما مباشرة الإجهاز على الدولة ومؤسساتها، أو باستدراج القوى الخارجية والتحالف معها ضد الخصوم من أبناء الوطن، ولا يعود مهماً حينذاك من منهما كان البادئ ومن كان أطول باعا في تخريبه السيادة .

استعادة النقاش القديم لا تعني غير تجديد أدوات الحرب الأهلية . أما الخروج من منطق الحرب فهو يتطلب الاتفاق على معيار واحد ومعنى واحد لمفهوم السيادة الوطنية . وهو معنى تتضمنه القوانين الدولية المرعية منذ قيام الدولة \ الأمة . إنها سيادة القانون على المواطنين ، وسيادة الدولة بأجهزتها الأمنية على الحدود وداخل الحدود .

لقد كانت المقاومة باسلة ولا شك ضد الاحتلال الاسرائيلي، أي ضد انتهاك القوانين والحدود اللبنانية من قبل قوة أجنبية . لكن المقاومة الوطنية ، ممثلة بجمول ، وهي الذراع العسكري للأحزاب التقدمية والوطنية واليسارية، كانت قد افتتحت انتهاك السيادة يوم قررت الانحياز للمقاومة الفلسطينية على حساب الأجهزة الأمنية والعسكرية للدولة اللبنانية ، وامتشقت السلاح الفلسطيني ووجهته إلى صدور فريق من اللبنانيين أطلقت عليهم صفة الانعزاليين . وما كان لهذا النعت أن يستقر في الوعي الشعبي لو لم يقم اليسار بتشويه مسألة الانتماء إلى الوطن وجعله في الدرجة الثالثة بعد الانتماءين الأممي و القومي.

مع أن اليسار الذي أطلق ” جمول ” في مرحلة لاحقة ، كان قد عارض الدخول السوري وواجهه مواجهة سياسية وعسكرية ، إلا أنه سرعان ما عقد معه تحالفا وأقام معه جبهة سياسية وعسكرية تضم قوى ودولا عربية وعالمية ، ضد جبهة معادية تضم أطرافا في الداخل ، من بينها “القوى الانعزالية والقوى التقليدية ” وأخرى في الخارج تضم “إسرائيل والرجعية العربية والقوى الاستعمارية والرأسمالية” الخ . وبذلك يكون هذا اليسار الذي استبسل في الدفاع عن السيادة الوطنية في مواجهة العدو هو الذي شكل غطاء محليا لاستباحة السيادة الوطنية من جانب القوى الصديقة . مع أن الفارق كبير وجوهري بين الصديق والعدو، فإن ما يعتبر انتهاكا للسيادة من قبل العدو لا يجوز أن يكون مباحا للصديق .

أما المقاومة اللبنانية ، وهي قوات عسكرية واجهت القوات السورية في لبنان، فهي الجناح العسكري للجبهة اللبنانية التي كانت ، مع التجمع الاسلامي ، أول من طالب بالتدخل العسكري السوري ، ثم انقلبت عليه ، وهي التي طالبت بالتدخل الاسرائيلي العسكري والسياسي ونسقت معه قيام شريط أمني على الحدود الجنوبية ، ونسقت معه الاجتياح الذي في ظله حصل انتخاب بشير الجميل رئيسا للجمهورية.

خطأ بمثابة الخطيئة ارتكبه اللبنانيون على جانبي خطوط التماس ، تحت وهم قدرتهم على تجنيد القوى الكبرى لصالح مشاريعهم المحلية ، فانطبق عليهم قول المتنبي : ومن يجعل الضرغام للصيد بازه ، تصيده الضرغام في ما تصيدا. فتحول اليسار اللبناني ، بفعل ذلك ، إلى فريسة لصديقه الفلسطيني، وتحولت القوى السياسية اللبنانية والفلسطينيينة فريسة لسياسة النظام السوري الشقيق الاحتوائية ولسياسة العدو الإسرائيلي التوسعية.

لا المقاومة اللبنانية(القوات) ولا المقاومة الوطنية اللبنانية اليسارية( جمول) تظل مقاومة ، إذا هي لم تجد حرجا باستباحة السيادة الوطنية أو بإباحتها لقوى أجنبية صديقة أو عدوة، حتى لو كان رصيدها المتراكم من البطولات والمواجهات الباسلة ضد قوات الاحتلال كبيرا جدا، وهذا ما ينطبق تماما على مقاومة حزب الله .

كما لم يعد جائزا أن ينظر إلى بشير الجميل أو المقاومة الوطنية اللبنانية وكأننا في الثمانييات من القرن الماضي . كلاهما أصبح من التاريخ، وعلينا ، حتى حين نذكر مآثرنا، أن نتعلم من تجاربنا، حلوها ومرها، وإذا كان التاريخ محلا للتباهي ، فهو لا يكون كذلك إلا إذا تم توظيفه لصالح إعادة بناء الوطن والدولة ، وطنا واحدا موحدا ونهائيا للبنانيين ، ودولة مدنية ديمقراطية في مواجهة كل صنوف الاستبداد المحلي والاقليمي.