1 يوليو، 2022

داعش تفوح نفطاً ومخابرات

محمد علي مقلد                                                                       12-9-2014

 رسالة صوتية مصورة وزعت على وسائل التواصل الاجتماعي تضمنت العرض التالي :

“نريد محللين سياسيين عباقرة يشرحون لنا الطبخة : إيران مع بشار الأسد، دول الخليج ضد بشار، بشار ضد الاخوان، الاخوان ضد السيسي، دول الخليج مع السيسي، يعني ضد الاخوان، إيران مع حماس، حماس مع الاخوان ، أميركا مع الاخوان ، حماس ضد أمريكا، دول الخليج مع أمريكا وأمريكا ضد القاعدة والقاعدة ضد بشار. دول الخليج مع القاعدة في سوريا، دول الخليج ضد المعارضة البحرينية، الخ.”

شبكة عنكبوتية تشبه المتاهة، لا مدخل إليها ظاهر ولا مخرج منها واضح. وهي ليست شبكة افتراضية ولا تخيلية بل هي بنت الواقع والحقيقة. معادلة تتداخل أطرافها وتتشابك حتى تكاد تستعصي على الشرح والتحليل.

منذ أكثر من عقدين أفادت التقارير أن أجهزة مخابرات أميركية مصرية فرنسية كانت قد أشرفت وتعاونت، بتمويل خليجي، على تشكيل تنظيمات أصولية إسلامية لمواجهة الشيوعية المتمددة شرقاً في أفغانستان. وطوال عقود وعقود كانت تنفق أموال نفطية على بناء المساجد وتمويل مؤسسات دينية وجمعيات للتبشير.أخطأ هؤلاء حين اعتقدوا أنهم هم من صنع هذه الظاهرة ، إذ إنها تشبه كل الظاهرات الاصولية اليسارية واليمينية ، الدينية والقومية ، وأسباب نشوئها متعددة ومتشعبة. وقد ترتب على هذا الخطأ تشخيص مغلوط للمخاطر، وبالتالي وصفة مغلوطة للعلاج.

أجهزة المخابرات ذاتها بالتعاون مع مصادر التمويل ذاتها تسعى اليوم إلى تشكيل ائتلاف دولي لمحاربة داعش، وتنظيم مواجهة أممية سياسية وعسكرية ضد التطرف وضد دولة الخلافة الاسلامية. قد يرتكب هؤلاء ، في رحلة الإياب من الأخطاء ما يشبه أخطاء ارتكبوها في رحلة الذهاب ، أو ما هو أكثر خطورة منها.

من هذه الاخطاء الاعتقاد أن القضاء على هذه الظاهرة يتم فقط بالقضاء على قياداتها . هذا ما فعلوه حين اجتاحت قوات التحالف العراق ودمرت القيادة العراقية وشتتت أعضاءها وأعدمت بعضهم وعلى رأسهم صدام حسين، أو حين تعقبت بن لادن بكل الوسائل المتاحة وأعدمته ورمت جثته في البحر، في حين تبدو الظاهرة متجذرة في الوعي السياسي الجماعي أكثر مما يظنون .

ومنها اعتقادهم أن لهذه الظاهرة حدودا جغرافية ، وبالتالي يمكن محاصرتها. وهذا ما فعلته قوى التحالف خلال هجومها على تنظيم القاعدة في أفغانستان، لتكتشف أن لهذا التنظيم قدرة على التفريخ في كل مكان من العالم ، بما في ذلك في عقر دار قوات التحالف.أو اعتقادهم المعاكس الذي جعلهم يظنون أن “أممية”هذا التنظيم ليست سوى وهم أو سراب، ما جعلهم يستخفون بالأصوليات ويستصغرون شأنها.

ومنها اعتقادهم أن الأصوليات ذات منشأ ديني، وأسلامي على وجه التحديد، فارتكبوا خطأ فادحا في تشخيص الظاهرة جعلهم يتعاونون مع بدائل مفترضة أثبتت التجارب أنها قد تكون أكثر خطورة  على الأمن وعلى وحدة الأوطان وعلى الاقتصاد وعلى المصالح الدولية.

اعتقادهم بالمنشأ الديني دفعهم إلى عدم التمييز بين الإيمان بالقيم الجميلة والسامية التي تقوم عليها عمارة الأصوليات ، كالقيم الأخلاقية في الدين أو العدالة في الحركات اليسارية، وبين الطقوس التي تحولت لدى كثير من المؤمنين إلى تجسيد وحيد للإيمان ، بل إلى حاجز يحجب المعرفة الحقيقية بأصول الإيمان وينابيع المعرفة . لقد أدى هذا الخلط إلى إصابة الإيمان بمقتل في حين بقيت الطقوس حصنا منيعا للجهل .هذا ما اقترفته أموال النفط حين شجعت الجمعيات الدينية الاسلامية والمعممين ذوي الثقافة الدينية السطحية على حصر التعليم الديني بالطقوس ، ما جعل المساجد تتحول إلى ما يشبه الثكنات، يتم فيها تجنيد المؤمنين وتعبئتهم، فيتخرجون منها “مجاهدين” ضد جبهة “المشركين والملحدين والكفار” الممتدة على وسع الحضارة الحديثة بكل اكتشافاتها وإنجازاتها  الثقافية والعلمية والسياسية.

باختصار، إن تجفيف ينابيع الخطر الناجم عن التطرف الأصولي يتطلب أولاً الوقوف بحزم ضد توظيف النص الديني في الشأن السياسي وضد الإجازة بالافتاء والتأويل والاجتهاد لمن اعتمر عمامة وأطال لحية وعين نفسه داعية أو أميرا أو خليفة من غير المؤهلين لذلك، والوقوف بحزم ثانيا ضد التنافس على توظيف أموال النفط في تعليم قشور الدين المتعلقة بالطقوس أو في تسليح منظمات الاسلام السياسي، كما يتطلب ثالثا من التحالف الغربي والأممي الخروج النهائي والحاسم من وهم التعاون مع نوع من الاستبداد ضد نوع آخر ، كالتعاون مع الديني ضد السياسي أو مع السياسي ضد الديني، فالاستبداد خطره واحد .

أما الحل فلا يمكن بلوغه إلا من سبيل واحد هو الديمقراطية والدولة المدنية وسيادة القانون . وقد يحتاج ذلك إلى ربيع مرتجى في كل أرجاء العالم العربي من المحيط إلى الخليج ، على أمل التخلص من كل أنواع الاستبداد.