1 ديسمبر، 2022

داعش وتأويل النص الديني

5-9-2014

تبرؤوا مما تقوم به داعش وكل التيارات الاصولية المشابهة… “وإلا ستكونون مع النص الديني شركاء في جرائم العصر الداعشية  ؟ ”

ليس هذا مجرد تلميح (ورد في مقالتي السابقة عن الظاهرة الداعشية) إلى مسؤولية محتملة لمن يقف موقف المتفرج من فظاعات ترتكب باسم الدين وتستند إلى تبريرات ومسوغات وذرائع يوفرها النص الديني، بل هو طلب صريح لتعيين الجهة الصالحة في تفسير النصوص وتأويل معانيها والاجتهاد وإصدرار الفتاوى في شأن الغامض منها .

الذين مارسوا العنف في التاريخ ، استندوا إلى أنواع من القداسة يضفونها على أنفسهم، إما بمباركة المؤسسة الدينية أو بالتقرب من الخالق وزعم خلافته على الأرض، لم يكن سندهم دينيا بل سياسي، لكنهم يستحضرون الديني بدل السياسي لقداسة يوفرها الالتصاق بالدين ونصوصه وطقوسه ولا توفرها السياسة. أما العنف الداعشي فقد اختصر الطريق وتذرع بالنص، وبحث في سيرة السلف الصالح وفي السنة النبوية عما يسوغ له استخدام كل أساليب الترويع التي تؤمن له السيطرة وممارسة السلطة.

لم يعد نبذ العنف والتنديد به وإدانته والتبرؤ من الأساليب الداعشية بالبيانات كافيا، حتى ولو تمكن التحالف الدولي الأممي الناشئ من القضاء على الحركة الداعشية ، وذلك لأن أية حركة إرهابية قد تولد في المستقبل قادرة على التذرع بنصوص متوافرة بكثرة في القرآن الكريم . غير أن هذه النصوص”لا تنطق بنفسها”، بحسب قول منسوب إلى الإمام علي، بل تحتاج إلى من يستولد منها المعنى. وغالبا ما يتم استيلاده معزولا عن السياق التاريخي لنزول الآية ، وعن دلالتها اللغوية والرمزية، فتفسر وتؤول بما يخدم مصالح سياسية سلطوية. من بين تلك الآيات ما يشرع للعنف ، كالآية رقم 33 من سورة المائدة ، التي تجيز معاقبة “…الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم … ” أو الآية رقم 5 من سورة التوبة وفيها أمر واضح : “فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم” ، أو الآية رقم 191 من سورة البقرة ” اقتلوهم حيث ثقفتموهم … فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين” ، أو الآية رقم 89 من سورة النساء ” فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم “، أو الآية رقم 12 من سورة الأنفال ” سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان..”

لم يكن العنف الديني في المسيحية ناجما عن تفسير مغلوط أو تأويل مشبوه للنص ، ولا كان زواله بتأثير ثورة ثقافية في قراءات المتنورين اللاهوتية ، بل هو حصل بإكراه الكنيسة على الانسحاب من الحقل السياسي وإعادتها إلى داخل أسوارها الكنسية وحصر اهتمامها بالتربية الروحية للبشر، وتخليها عن كل أمر يتعلق بحياة الأفراد المدنية وعلاقتهم بالمجتمع وبالدولة .

غير أن العنف الديني في الاسلام يختلف عن النسخة الأوربية من الحروب الدينية بأمرين اثنين ، الأول هو أن الاسلام السياسي كان ، منذ نشأته في أواخر القرن الثامن عشر، تعبيرا اعتراضيا على آلة الحكم ومؤسساته السياسية، لكن، من غير برنامج سياسي، وليس انتفاضة على المؤسسة الدينية الرسمية، في حين كانت اللوثرية ثورة مدعومة من الحكام في الشمال الأوروبي ، على كنيسة روما المدعومة من الحكام في الجنوب، ما جعله يبدو كأنه وليد شرعي للنص المقدس، ولا سيما في غياب أي موقف اعتراضي من جانب المؤسسات الدينية الرسمية على تفسيراته وتأويلاته وقراءاته المزورة والمشوهة.

الأمر الثاني معاكس للأول ، وهو أن النسخ المتعددة من الاسلام السياسي لم تستند إلى النص بل إلى تأويلات واجتهادات لم تكن محل إجماع الفقهاء. فلا الأزهر اعتمد الحاكمية ولا النجف أقرت ولاية الفقيه ، وظلت النظريتان موضع صراع داخل المؤسسة الدينية(الأزهر أيام علي عبد الرازق) أو بينها وبين حركات الاسلام السياسي الخارجة عن سلطة المؤسسة الرسمية( المرجعيات الشيعية بعد الخميني)

العنف ليس مرتبطا، إذن، بإسلام العقيدة، لكنه يتذرع بنصوصها. بل هو مرتبط بإسلام السياسة، ما يجعل الخروج من هذا المأزق مهمة دينية بالدرجة الأولى، تتولاها المؤسسات والمرجعيات الدينية بمواقف واضحة وضوحا قاطعا، وبقرارين لا يحتملان أي التباس.

 يحرم القرار الأول على أي عامل في الحقل الديني توظيف النصوص الدينية وتأويلاتها في كل أمر يتعلق بالحياة العامة للمواطنين، باعتبار ذلك شأنا يخص الدولة والقوانين المرعية، سعيا لإخراج الدين من بطن السياسة. أما القرار الثاني ، وهو يحتاج إلى جرعة أكبر من الشجاعة ، فمن شأنه أن يشكل ثورة فقهية تنتصر للعقل على النص وتأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التاريخية التي تلت الدعوة الاسلامية حتى اليوم ، فتضع حدا لقراءات قاصرة ومجافية لروح العصر ولقيم الدين.