3 ديسمبر، 2022

وما آفة الدين إلا رجاله

26-2-2015

دفاعاً عن الدين وعن حرية التعبير وعن شربل خليل

كنت إلى جانب رجل الدين الرائع السيد هاني فحص، رحمه الله، وهو يقدمني في محاضرة. كان يحلو لي عادة، كلما تناولت قضية الاصلاح الديني، أن أردد بيتا من الشعر قاله الشيخ محمد عبده، تلميذ الأفغاني ومفتي الديار المصرية في أيامه، الذي أدخل إصلاحات جوهرية على برامج الأزهر التعليمية.قال:
                ولكن ديناً كنت أرجو صلاحه                        أحاذر أن تقضي عليه العمائم

أرفق السيد اعتراضه ببسمة رضى: أوَتقولُه أمامي هكذا بلا حرج ؟ قلت نعم يا مولانا، إن من بينكم، أنتم رجال الدين، من يتولون الإساءة إلى الدين بكل أبعاده، إلى نصوصه التي لا يجيدون فهمها، لأنهم لا يتقنون العربية، وإلى فقهاء من أمثالكم، حين يحشرون أنفسهم بينكم ويتحدثون عن “مساواة كأسنان المشط” معكم ، ويرددون في خطبهم وعظاتهم عدداً محدوداً جداً من آيات القرآن الكريم، ويبثون بين الناس وعياً مزيفاً عن الدين والإيمان والعقاب والثواب، ويحولون المعنى الرمزي للقداسة إلى طقوس، حتى صاروا هم في نظر الجمهور، لا أنتم، أكثر تمثيلاً للدين، لأن ثقافتهم هي الأقرب إلى الوعي الشعبي من علمكم الوفير وتعمقكم في شؤون الفقه وتبحركم في التفسير والتأويل والاجتهاد.

الحال على حاله من أيام الشيخ محمد عبده. يستسهل المعمم تكفير من لا يعجبه أو من لا يوافقه الرأي. لكن ما استجد، في بعض البلدان، ومنها لبنان ومصر، أن بعض رجال الدين كانوا يستعينون بالقضاء المدني لتكفير من يريدون تكفيره. هذا ما فعلوه مع نصر حامد أبو زيد الذي استجاب القضاء لدعوى أقامها عليه أحد الشيوخ فطلقوه من زوجته، وهو ما فعلوه حين أحالوا إلى المحاكمة صادق جلال العظم في الستينات، أو مرسيل خليفة في التسعينات من القرن الماضي، وبرأتهما المحكمة اللبنانية من تهمة الإساءة إلى الدين. وهذا ما فعلته بعض أجهزة الرقابة حين منعت صدور كتب أو عرض أفلام، بعد وقوعها تحت رهبة التشدد الديني.

ليست المرة الأولى التي تنبري فيها دار الافتاء بالذات بالادعاء أمام المحكمة المدنية على شخص تعتقد أنه أساء إلى الدين أو إلى التعايش الطائفي، وليست المرة الأولى التي يكون فيها أحد الفنانين (شربل خليل هذه المرة )ضحية هذه التهمة. ولا كانت التدخلات السابقة كافية لاستخلاص دروس وعبر، ولاسيما بعد الحادثة الأكثر مأسوية التي حصلت، حين دعت الجمهور إلى الاعتراض على الرسوم الدانمركية، فلبوا الطلب وتظاهروا وحرقوا كنيسة في الأشرفية.

مرة أخرى تقع دار الافتاء ضحية خطأ مثلث الأوجه.  الأول اتخاذها صفة الادعاء الشخصي، والثاني أن مؤسسسة دينية إسلامية تدعي على شخص غير مسلم، والثالث تدخلها في شأن عام هو من اختصاص الدولة.

حصل ذلك بالتزامن مع استفحال ظاهرة التكفير في محيطنا العربي الاسلامي، وفي غمرة بحث اللبنانيين عن مخرج من الصراع المذهبي المستحكم، لهذا كان من الأفضل معالجة الأمر بترك الأمر للقضاء وحده وللسلطة السياسية، صاحبة الحق الحصري بمعالجة الشأن العام المتعلق بالأمن الوطني والوحدة الوطنية. ذلك أن دار الافتاء، بتدخلها المباشرهي بالذات، أساءت، بالتأكيد، إلى مقصدها من التدخل، فتحول ادعاؤها على شخص من ديانة أخرى إلى عامل إثارة طائفية؛ كما أنها اعتدت على مجال عمل الدولة، لأن الأمن الوطني وإثارة النعرات الطائفية  ليسا شأناً يخص طائفة دون أخرى، والإساءة إلى أي دين لا تعود بالضرر على دين محدد أو طائفة بعينها.

درءاً لمثل هذه المخاطر، ربما بات من الملح أن تنسحب المؤسسة الدينية  فتحصر دورها في إدارة شؤون الأوقاف والشؤون الإدارية المتعلقة بإشرافها على خطباء المساجد ، تاركة للدولة بمؤسساتها الأمنية والقضائية والادارية كل ما يتعلق بالحريات العامة والشخصية.

وصار من الملح تنبيه المؤسسة الدينية ورجال الدين إلى إن توجيه الاتهام إلى أي شخص يغدو مشحونا ب”حشوة إضافية” ، بلغة المدفعية، حين يصدر عن مرجعية دينية، مؤسسة أو فرداً، لأن الاتهام يحمل معه، في هذه الحالة، مسحة من القداسة تجعله، على اختلاف درجاته، في مستوى التكفير.

 لقد تحول احتكار الحرص على الدين من جانب المؤسسة الدينية ، وزعمها الوصاية على معتقدات الناس إلى شكل من أشكال الاستبداد، تمارسه على حرية التعبير والابداع، فتدعي لنفسها الحق الحصري في القراءة، وتفرض تفسيرها الرسمي للنص، وترسم حدود الحلال والحرام، في وقت بات إتقان الطقوس يقع في آخر سلم المعارف الدينية.

هذه الدعوى وسواها تطرح التساؤل عمن  يملك الحق في تحديد حجم الاساءة إلى الدين والأنبياء؟

وأغلب الظن أنه بات بمثابة الواجب على رجال الدين أن يكونوا أكثر تواضعاً، وأن يتوقفوا عن التدخل بما هو من اختصاص الدولة والقانون.